الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٧

الإباضية

ليخرج من هذا المحبس العميق. غير أن يد الإنسان العابثة لعبت أسوأ الأدوار في طبيعة هذا الوادي الجميلة، فاقتلعت أكثر تلك الأشجار التي تصبغ الجبال بالخضرة، وقدمتها طعاماً للنيران. لتستخلص منه فحماً يتخذه بعض الناس مكسباً وتجارة، وهي جريمة لعمري أقدم عليها ناس لا يفكرون في زمن غلبت الفوضى في الفترة المظلمة من تاريخ الوطن هذه الفترة التي مرت بين الحكم الإيطالي الباغي، وحصول البلاد على الإستقلال وقيام دولة من بنيها تحكمها وترعاها تلك الفترة التي أطلق عليها التاريخ فترة الاحتلال البريطاني، فحكمت ليبيا حكما عسـ ــكرياً تجرد عن النظام والقانون.

كان لهذا الوادي تاريخ حافل في الكفاح، وكم من مرة جاءت الجيوش الباغية تحاول أن تدخل إلى العرين من عنق هذه الزجاجة فضاقت عليها، وبقيت محصورة حتى فشلت وذهب ريحها ورجعت منهزمة: على أن لهذا الوادي قصة أروع من كل ذلك في تاريخ الإسلام والفتح الإسلامي: فعندما كان عمرو بن العاص يقود جيشاً من لفيف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مهمة هذا الجيش إبلاغ دعوة الإسلام الصافية كما أراده الله، وكما بلغها محمد صلى الله عليه وسلم، لم يضق عنق الزجاجة عن هذا الجيش المؤمن الذي كان يقوده ابن العاص، وفتحت شروس أبوابها للإسلام دون أن تراق قطرة من الدماء، ودخل الفاتح البطل دون أن يكبد الإسلام خسارة في المال أو في الرجال، وتقبل أهل المدينة - مدينة شروس – التي كانت تتبعها في ذلك الحين أكثر من ثلاثمائة قرية، دعوة الإسلام.

وفتحوا قلوبهم للإيمان وصافحوا بإيمانهم أيدي الصحابة التي يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقى الجيش ما بقي

لمست

في شروس بين أهل وأخوة وعندما رجع الفاتحون، كان الإسلام قد استقر نهائيا، وكانت مباديء الإسلام التي تحرر المؤمن من ربقة العبودية لغير الله قد رسخت في أنفسهم، فلم يستطع منذ ذلك اليوم أن يستعبدهم بشر حتى أنقرضت شروس، وكانت هجمات الباغين تختنق في عنق الزجاجة، أو تتحطم على صخور

الجبل.

ومدينة شروس هذه أكبر مدن جبل نفوسة في ذلك الحين، بل إنها إحدى العواصم الكبرى المنتشرة في بلاد المغرب، وهي بموقعها في بطن الوادي تحيط بها من جميع الجهات جبال تناطح الله

السحب، وترتفع في كبد السماء، كأنها اسوار من صنع وضعتها إرادته U لتحصين هذه المدينة، لا ينفتح منها إلا باب

ضيق إلى جهة الشمال، وصفناه فيما سبق بعنق القارورة

لقد كانت شروس مركز إشعاع منذ الفتح الإسلامي، وقد امتد منها نور الإيمان والعلم لا في جهات من ليبيا فقط، وإنما امتدت أنوارها منتشرة تتسع وتضيق إلى أقاصي المغرب.

وقد أخرجت أعلاماً تركوا آثاراً قيمة لا تزال مقبسا للنور إلى اليوم، وحسبها أنها كونت في الزمن المبكر للإسلام في ليبيا

مدرستها الكبيرة العامرة بأقسامها الداخلية، وأنها كانت مقصداً لطلاب العلم من جميع الجهات حتى ضاقت مباني المدرسة ومنازل المدينة، عن السكان، فلم يجد الطلبة فيها

405

404