الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٨

في

الإباضية

محلات الإقامة، واضطروا إلى الانتقال إلى مدارس ومدن أخرى كانت أقل شهرة منها، وإنه لمن أعاجيب الزمن أن تصبح شروس ذلك التاريخ في زمن قصير جداً مقصداً لتصحيح العلوم. فيدرس الدارسون في تونس أو في الجزائر أو في أي جهة من الجهات النائية، ولكنهم لا يطمئنون إلى علمهم إلا بعد - أن يردوا إلى شروس ويعرضوا ما عرفوا على ابن ماطوس فيجيزهم إن اجتازوا الامتحان، ويعودوا إلى الدراسة إن لم يوفقوا. ولقد لعب الزمن بهذه المدينة العظيمة، فذهب عنها سكانها، وانزاح عنها عمرانها، ولم يبق إلا أطلال دوارس، وإلا مسجد أبي معروف يغالب الزمن، ويصارع التاريخ، حتى أن الأجيال الأخيرة أصبحوا يطلقون اسم أبي معروف على المدينة كلها، فيقولون خربة أبي معروف وأبو معروف هذا هو ويار ابن جواد أحد الأعلام الذين حكموا شروس وما يتبعها من قرى، فأقاموا فيها منار الحق، ورفعوا ألوية العدل، وساروا بسيرة الصالحين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كان إماما من أئمة العلم، لا يخلو كتاب من أقواله وآرائه وفتاواه، وقد كان سريع البديهة ذكياً عبقرياً يحل أعوص المشاكل وأعقد القضايا دون إجهاد فكر. والكتب مشحونة بأخباره، أما المسجد الذي يعرف به فلا يزال بين الأنقاض، منسق البناء، منحوت السوارى من الصخر الأصم؛ وقد زينت جدرانه بآيات كريمات وحكم بالغات، حفرت على أحجار منحوتة، أو نقشت بألوان لا تزال زاهية، وكل ذلك بالخط الكوفي الجميل.

قائما

على الضفة الشرقية لهذا الوادي، وفوق قمة عالية تقع

القرية الصغيرة الجميلة التي تسمى الجزيرة، لأنها واقعة فوق جبل منفصل عن بقية الجبال من ثلاث جهات انفصالا كاملا. أما من الجهة الرابعة فقد انفصلت عن بقية الجبال بخندق ضيق عميق شديد العمق والخندق من صنع الطبيعة لا من صنع الإنسان، ولا يستطيع الإنسان أن يدخل إلى هذه القرية الجميلة إلا فوق معبر على هذا الخندق، وفي الليل عندما تنام القرية تنتزع المعابر عن الخندق فتأمن من الدخلاء.

كانت هذه القرية معقلا من معاقل الجبل، وحصناً منيعاً من حصونه التي يتركز فيها الدفاع وتصان فيه الغوالي. وقد وقعت فيها عدة أحداث تشبه أن تكون قصصا لعدد من المهاجمين الذين يحاولون أن يدخلوا إلى شروس كما يدخل الفأر من عنق القارورة فلا يخرج إلا أشلاء، وأحسب أنني ذكرت بعض الحوادث التاريخية المتعلقة بها في بعض الفصول السابقة. وكما كانت مركزاً حصيناً للدفاع كانت أيضا ملجأ للأخيار والصالحين. فكان الناس يقصدونها للتحصن من عدوان المعتدين، أو للخلوة

والإنابة إليه تعالى ومناجاته في خشوع وابتهال. وإلى شمال هذه القرية تقع قرية أخرى تسمى " أم صفار " لا تزال إلى اليوم عامرة بالسكان وإلى غرب هاتين القريتين تقع " تَنزَغْتُ وجَريجَنٌ وَدَرُكَلْ وَبِغُطُورَهُ وغَفْ سُوفٌ ودَبَّى وَزَعُرَارَهُ وتمنكَرْتُ وَبَقَالَهُ ومَرْجَسُ وَويغو " وكثير غيرها من القرى التي كانت تنبض فيها الحياة. وبعض هذه القرى أو الخرائب المنتشرة على مسافات متقاربة كانت في يوم ليس ببعيد مدنا عظيمة عامرة بالعلم مزدهرة بالعمران، تعيش فيها أمة ضربت المثل

407

406