الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٢١

الإباضية

ذكرى وعبرة لهؤلاء الذين يحملون السيوف ويحاربون من أجل المبادئ فيما يزعمون.

وفي " تندميرة " نشأ أبو زكرياء الذي حكم الجانب الأكبر من ليبيا، مستقلة على أية دولة أخرى مدة ستين سنة، فلم يكسب منها مالا، ولم يدخر ثروة، وإنما كسب منها عظمة يعز نظيرها عند غيره من الحكام، تطالبه زوجه بشئ من الزيت للاستصباح فيعتذر ويرجوها أن تستصبح بالحطب، ويعرض عليه أحد الأغنياء عدداً من الكباش بدلا من الغذاء فيقول له: لوسئلت

يوم القيامة حمل قرونها لأتعبنى، فما بالك بها كلها. وفي " تندميرة " نشأ أبو حفص عمرو بن عيسي: هذا المؤمن العالم البطل الذي كان يطارد الجهل والبدعة من ميدان إلى ميدان، كما يطارد المحارب المقدام جيوش الأعداء، فلم يستقر به المقام ولم يسترح من الكفاح حتى لحق بربه. وفي تندميرة هذه نشأ عدد غير قليل من العلماء الذين دونت أقوالهم وسيرهم في كتب الشريعة وفي كتب التاريخ والسير.

وإلى الغرب من تدميرة بمسافة غير طويلة، تقع مدينة " تملوشايت " هذه المدينة التي كانت تنازع " شروس " وتنافسها، والتي بلغت من العظمة في يوم من الأيام أن كانت تخاطب تونس الخضراء فتصفها بأنها قرية والقصة في ذلك مشهورة لا يزال الناس يتناقلوها مع شئ من التعليقات والأخيلة التي لا تخلو منها قصة طريفة، فقد قيل: إن مزارعا تونسياً يملك مخزناً كبيراً ملأه بمحصوله من الحبوب، وكان إلى جواره معمر

مس

يحي يملك عددا من الخنازير السمان وغفل التونسي فترك مخزنه مفتوحاً فدخلت إليه خنزيرة قذرة، وفي وسط الحبوب ولدت عددا من الجراء، وسال منها على تلك الحبوب ما يسيل من الخنزيرة عند الولادة.

وذهب الفلاح التونسي إلى المشهورين من علماء تونس يستفتيهم فيقلبون له أكفهم ويرجعون العلم إلى الله ورسوله إن هذه الحالة تقع لأول مرة، ولم تدون في الكتب، وهكذا طاف الرجل على أصحاب العلم فى تونس الخضراء فلم يجد من يتشجع ويقول مثلا: إن الأنجاس تزال بالغسل، لأن الناس جميعا يستقذرون الخنازير.

ولو أفتى أحد الناس بهذا لاتهم في دينه من العوام وسمع به أحد الناس، فنصح المزارع أن يبعث بسؤاله إلى مدينة "تملوشايت " من جبل نفوسة.

وبعث الرجل، وبعد أسابيع جاءه الجواب، فقد كان في تملوشايت العالم الأديب الشاعر أبو نصر حاضراً، فكتب إليه يقول: من مدينة تملوشايت إلى قرية تونس، وبعد الديباجة قال: ازرعوا الحبوب النجسة تنبت زرعاً طيباً طاهراً … وهكذا عملت العبقرية على حفظ مال الرجل والاستفادة منه … قد يحق لأبي نصر أو غيره من العلماء أن يفتوا بطهارة هذه الحبوب إذا غسلت وأزيل منها الأذى، ولكنهم يعرفون أن النفوس تستقذر الخنزير وما لمسه، وأنه لا يمكن أن تؤكل هذه الحبوب ولو كانت طاهرة وحلالا، ولكن زرعها شئ معقول وغير مستقذر، وبهذه المدارك الدقيقة

413

412