الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٢٣

الإباضية

بقايا مدينة أو قرية كانت عامرة بأهل العلم والفضل والخلق

والدين.

ولا يوجد مكان من هذه الأرض الطيبة لا يحمل ذكرى عطرة للكفاح في سبيل الله، وإذا كان العمران قد انحر اليوم إلى قليل من القرى المتناثرة، وأصبحت المسافة بينها بعيدة، فإنها كانت من قبل متصلة تكاد تكون مدينة واحدة.

ويكفي أن تعرف أن الفتاة قد تذهب من " جيطال " أو من " أبديلان" إلى " أرجاجن " لتستمع إلى الدروس الأسبوعية التي تلقيها العجوز الصالحة زورغ على بنات الجبل لتغرس في نفوسهن الدين الصحيح، والخلق القويم.

وإن الفتاة كانت تذهب من " إنير وجيطال ومن مرساون وونزيرف إلى أمسين، فتحضر الدروس في مدرسة أم يحيى للبنات ثم تعود فلا تخاف من وحش أو بشر، وذلك لأنها كانت تقطع هذه المسافات التي يخيل إلينا اليوم أنها طويلة، كما تقطعها اليوم في مدينة كبيرة آهلة بالسكان إنها تكاد أن تكون شوارع طويلة المدينة واحدة آهلة بالعمران مزدحمة بالسكان وادي الزرقاء

هو واد عميق يتجه من الجنوب إلى الشمال في انحدار متدرج. يكون شلالين عظيمين.

أولهما شلال الزرقاء، ولا يقل ارتفاعه عن ثمانين متراً حسب تقدير العين المجردة أما الثاني فأسفل منه، ويسمى ما صر وهو أكثر ارتفاعا من الأول.

ويستمر الوادي في الانحدار بعد هذا الشلال حتى ينسل

من الجبال، ويذهب زاحفا بين السهول الخضراء يحمل اليها الماء والغرين التي تكون أهم أسباب الخصب في أراضي الزراعة

في مصب الشلال الأول تتجمع مياه الأمطار والينابيع. فيتكون من مجموعها البحيرة الجميلة الساحرة التي تسمى

الزرقاء، وسميت الزرقاء لأن الزرقة هي اللون الغالب على مائها. ويبلغ عمقها في بعض الجهات ما يزيد عن عشرة أمتار حسبما يقال، وهي مستديرة الشكل كالمرآة، يبلغ قطرها مرمى الحجر للرجل القوي. عذبة الماء صافية الأديم دائمة الزرقة يحيط بها من جميع الجهات إطار من الأشجار يمنحها الخضرة والجمال والظل الظليل، ينبع الماء من حواشيها، وينحدر إليها من الطبقات الصخرية صافيا، بارداً، منعشاً، وتعد الزرقاء أجمل مصيف لأهل المنطقة، ويأتيها السواح من جميع الجهات لمنظرها الخلاب

ومائها العذب وهوائها المنعش العليل.

أما الشلال الثاني ماصر: فهو أقل جمالا من الزرقاء، وأكثر ارتفاعا، وهو لا يكون بحيرة كما فعل الشلال الأول، فإن مياهه لا تجتمع، وإنما تذهب منحدرة مع الوادي: والينابيع التي تخرج من طبقات الصخور في مصب هذا الشلال تعتبر عيونا عادية عذبة الماء، تسقى ما تحتها من أجنة وبساتين. أما المسافة الواقعة بين الشلالين فهو أرض مزدانة بالأشجار المتشابكة، منها المثمر ومنها غير المثمر، ومنها ما تعهدته يد الإنسان، ومنها ما غرسته عوامل الطبيعة، ويسقى جميع

417

416