الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٤الإباضية
المنطقة المياه المنحدرة مع الوادي من بحيرة الزرقاء، مكونة نهراً صغيراً لا يكف عن الجريان حتى ينحدر مع شلال ماصر، أو تمتصه التربة الخصبة قبل ذلك.
والصورة في جملتها تمثل منظراً من أبدع المناظر، يخيل للمنتزه فيه أنه في بعض مناطق لبنان، وإن لكل بلد سحره وجماله.
ولو ظفر ببعض العناية فوصلت طرق السيارات على البحيرة. وأقيمت فيه بعض المحال التي تقدم للمتنزه ما يحتاج إليه، وظفر فيها الزائر بوسائل الراحة لأصبح من المناظر السياحية التي يقصدها السواح من كل مكان، واشتهرت به ليبيا كما اشتهرت لبنان بزحله.
على ضفة هذا الوادي من الغرب تقع قرية " الجماري " الجميلة هذه القرية التي كانت تسكنها " نانا مارن " جدة المشايخ تلك العالمة الذكية التي استطاعت بما أوتيت من علم وعقل أن تقنع أصلب رجل في جبل نفوسة بوجهة نظرها، حين استعصى إقناعه على فطاحل العلم والسياسة ما بين " تاهرت وجادو "، وقد تقدمت هذه الحادثة مفصلة في حياة أبي عبيدة عبد
الحميد.
وإلى الشمال من هذه القرية بمسافة قصيرة، وعلى الضفة نفسها تقع قرية أخرى جميلة هي قرية " ندباس " وفي هذه القرية يروي التاريخ قصة من أروع قصص المرأة في ميدان العلم والعبقرية، واتباع الحق.
ذهب معبد الجناوني إلى " قنطرارة " يدرس على العالم الكبير سعد بن أبي يونس ولما بلغ من العلم درجة، وحسب أنه نال منه الكفاية رجع إلى جناون، ومر في طريق رجوعه على " ندباس " وقبل أنه يدخل القرية. - وقد انهكه التعب والإعياء والعطش أمة تسقي الماء من صهريج فطلب منها أن تسقيه، وبدلا من أن تسارع الأمة إليإرواء هذا العطشان أجابته في حزم: أنستخدم أموال الناس يا جاهل؟.
- وجد
ورجع إلى نفسه يسائلها بأي حق يستخدم أموال الغير وعرف أنه ما أوتى من العلم إلا قليلا. ولقنته الأمة درساً، فرجع من مكانه إلى مدرسته، وواصل دراسته حتى أصبح فيما بعد موسوعة علمية متنقله وكان مرجعاً من المراجع الهامة التي يقصدها الناس للاستفادة
والعلم. وإن بلداً تبلغ فيه الإماء هذه الدرجة من العلم حقيق أن يشغل التاريخ وتستخلص منه العبرة.
وإلى شمال هذه القرية على منبسط فسيح فوق قمة شامخة تقع مدينة "مزغورة " ترتفع فيها مئذنة مسجد أبي زيد ضاربة في الهواء، تناطح السحب، وتبعث بتحاياها وتهمس بنجواها إلى مئذنه أخرى ترتفع ضاربة في الهواء من مسجد أبي يحيى في " تارديه ". وفي هذه المدينة الفسيحة التيكانت تنافس جادو في العظمة والمجد نشأ العلامة أبو زيد وعاش مشغولا برسالته
419
418