الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٥الإباضية
المقدسة، في جو علمي، بين طلاب أذكياء وزملاء علماء صلحاء، فلما توفي، بقيت مدرسته الفسيحة بما فيها من مخازن وأقسام داخلية - مثابة لأهل العلم والفضل، وقد كان يرد إليها فطاحل العلماء من جميع الجهات، ليؤدوا فيها هذا الواجب المقدس طيلة قرون متتابعة، وتعاقب عليها عدد غير قليل من كبار العلماء والمربين، مثل أبي موسى الطرميسي، وأبي عزيز، وأبي ساكن، ونوح بن حازم، وغيرهم.
وتعد مزغورة في التاريخ الليبي من المدن العلمية التي كانت مركز إشعاع زمنا طويلا. وفي كل واحد من هذه المدن الثلاثة قصة لامرأة، وقد عرفت قصة مارن وقصة أمة ندباس، أما المرأة التي أريد أن أحدثك عنها في مزغورة فهي من نوع آخر: إنها زوجة أبي زيد، هذا العالم المؤمن، لقد ابتلى بزوجة سوء لا يسمع منها إلا الكلمة البذيئة ولا يرى منها إلا العمل القبيح، إذا دعاها إلى الخير أعرضت عنه، وإذا أسمعها الكلمة الطيبة أسمعته الكلمة النابية واللفظة. الجارحة. إذا أيقظها لصلاة الصبح دعت عليه بالسوء واستمرت في النوم، ورغم كل ذلك لم يطلقها حرص على الاحتفاظ بها خوفا من أن يبتلى بها مؤمن آخر فلا يصبر على إذاها.
وإلى الغرب من مزغورة بنحو ميلين تقع " ويفات " عليعنق جبل وعر متجهة إلى الشمال الغربي، وقد كانت مدينة كبيرة عامرة المساجد متراكبة المباني تكاد تكون مع مزغورة ضاحية، أو امتداد شارع، وإلى الجنوب منها بنحو ثلاثة أميال تقع القرية الصغيرة " رقرق " وهي قرية صغيرة قابعة على ضفة وادي
سحيق العمق ضيق، يكاد يكون عبارة عن خندق عظيم يفصل بينها وبين " توكيت ".
و " توكيت " مدينة عظيمة تستلقي على هضاب وشعاب تقابل رقرق من جهة الغرب، وقد كان لهذه المدينة في الماضي تاريخ مجيد، وإذا كان للمدن حق الافتخار بمن تعجب من الرجال، فإنه يحق حينئذ لهذه المدينة أن تفخر بأبي زكرياء، هذا العالم المؤمن الذي قيل فيه: أبو زكرياء هو الجبل والجبل هو أبو زكرياء، والذي جعله الإمام عبدالوهاب حجة وبرهانا، وحسبه أعظم مرجع علمي في زمن كثر فيه العلم والعلماء فقال لأبي عبيدة: وإن كنت ضعيفاً في العلم فعليك بأبي زكرياء التوكيتي. وبين هذه المدن الست المتقابلة وهي: الجمارى ندباس، مزغورة، ويفات. رقرق، توكيت " أو تمزدة " غابة خضراء من شجر الزيتون، ولا تخلو ربوة من ربا هذه المنطقة أو شعب من شعابها من أثر قرية قد اندثرت، أو مسجد قد بقيت أطلاله أو تش رسومه هد للتاريخ بما كانت عليه من عمران أما مسجد أبي زيد: فقد بقي يطاول الزمن بمئذنته الشامخة، والحجرات الدائرة به. تلك الحجرات التي كانت مساكن لطلبة العلوم ودواميسه الكبيرة التي كانت مخازن تحفظ فيها مؤن طلاب العلم الوافدين من كل مكان. ومما يسر: أن هذا المسجد بقي إلى اليوم كما كان العهد به مسجد الصلاة للمدينة الكبيرة، ومن عبر التاريخ: أن المدرسة الحديثة بنيت ملتصقة به، فهو لا يزال يقوم برسالته الخالدة التي قام بها مؤسسه العظيم منذ القرن الثالث. أما على الضفة الشرقية لوادي الزرقاء، فتقع مدينة " أرجان
421
420