الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٦الإباضية
" العظيمة وتنبسط هذه المدينة العظيمة على عدد من الربا " أُندِمَّادُ " والشعاب بين وضفة الوادي وقد اندثر جانبها الشرقي فلم يبق منه إلا مسجد أبي زكرياء الأرجاني على رأس ربوة عالية. كانت في القديم قلب المدينة وقد انحاز العدد الباقي من السكان وتكتلوا على قمة الجبل من حاشية الوادي الشرقية فكونوا قرية صغيرة سميت اليوم " مزو " وهذه القرية تقابل قرية "الجمارى " كأنها صورتان باهتتان لمجد باهر غير وتاريخ مشرق مضى: ولعل أحفاد أولئك الجدود يذكرون ما قدم أسلافهم من خدمة لله والوطن، فيعملون على تجديد ذلك البنيان، وإحياء ذلك التاريخ العطر الذي خلد أبطالا من الرجال والنساء، وفي نانا مارن وأبي زكرياء الأرجاني أسوة حسنة وقدوة صالحة
وإلى الشمال من أرجان تقع مدينة " جادو " مدينة نفوسة ومركز الحكم في الجبل عامرة الأسواق، فسيحة الميادين، طويلة الشوراع عالية المباني، تنبسط على مجموعة من الربي والوهاد في عزة الأمن واستقرار المطمئن تيحط بها مجموعة من القرى تكون لها ضواحي جميلة، وقد جرى الزمن على جادو بمثل ما جرى به على أرجان، فانتقلت من مكانها الفسيح المنبسط، والتجأت إلى حافة الجبل، فتجمعت في قمة منه، دائرة حول مصلى أبي عبيدة كأنها تعتصم به من أحداث الزمان، وتضاءل عدد ا د السكان. ووسائل العمران، حتى صارت جادو بالنسبة إلى ما كانت عليه من علم وحضارة وازدهار كأنها ملخص صغير لموسوعة علمية ضخمة، لم تستطع إفهام الطلاب المهازيل استيعابها، فعملت الأيدي على اختصارها وتلخيصها.
ولقد أنجبت جادو من الأبطال والعلماء الأعلام ما امتلأت به بطون الكتب، وحسبها أنها كانت دار الندوة ومجتمع المشائخ للتشاور وعقد المؤتمرات العلمية أو الاجتماعية أو السياسية، وقد وقع عليها الإختيار لأن تحمل هذه الرسالة فحملتها في شرف وإخلاص.
متعددة
أتفق علماء نفوسة فاختاروا جادو ليبنوا فيها مسجدهم " إمساتن " ولعلها أول مدينة يجتمع شعب كامل على بناء مسجد فيها ليكون مسجد الشعب كله لا مسجد المدينة وحدها، وقد اشترك الجبل في البناء من أقصاه إلى أقصاه، وادي هذا المسجد إلى الوطن ما لم يؤد أي مسجد آخر فقد كان العلماء يقصدونه زرافات ووحدانا من كل جهة، ويتذاكرون أمور الناس، ويتشاورون في وجوه الإصلاح التي يجب أن يقوم بها كل واحد منهم في ناحيته، ثم كان ملتقى للثقافات. فقد كان أولئك العلماء الذين يردون إليه يقومون بإلقاء دروس وقد يستعرضون في تلك الدروس أحوال المجتمع وما يجب أن يكون عليه، وليس ذلك فقط وإنما كان يؤمه الطلاب الذين انتهوا من دراساتهم أو كادوا في المدارس المنتشـ ـره. ويلازمونها أوقاتاً تختلف، وذلك ليستمعوا إلى عدد من | العلماء، ويأخذون عنهم، ويناقشوهم حتى يطمئنوا إلى علمهم وكفاءتهم فقد كانت رسالة هذا المسجد الاصلاح والتعليم بالإضافة إلى العبادة. وانحسر السكان عن موقع مسجد امستراتن واندثر العمران من حوله، وبقي شامخاً يروى للأجيال ما كان عليه من مجد وحضارة. ومنذ سنوات فكر بعض أهالي جادو في ترميم المسجد وتنادى
423
422