الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٢٧

الإباضية

الناس إلى إعادة بنائه، وبذلوا ما لديهم من جهد ومال، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقيموا ذلك المجد الشامخ واختصروا المسجد الفسيح منه أقل من النصف، وهدم الباقي، فكان عملهم هذا اختصارا هزيلا لعمل عظيم.

وقد أراد المولى سبحانه وتعالى أن يبقى حي امسراتن حي العلم حتى بعد أن هدم بناؤه، وانحسرت المدينة عنه، فبنيت المدرسة إلى جنبه من الغرب ومعهد المعلمين إلى جنبه من

الشرق.

وإلى شمال جادو، الحديثة، تتابع ثلاث قرى جميلة القصير، وأشباري، ويوجلين. وقصة هذه القرى الثلاثة

هي

هي:

قصة " جادو ومرو " فقد كانت

تكون جانبا من مدينة عظيمة تقابل جادو من الشمال الشرقي، فانحسر عنها العمران، وتوالى عليها العدوان، فالتجأت إلى قمة الجبل، وتحصن فلولها بالوعر، وبقيت آثارها هنالك تروى أخبار التاريخ للقرون المتعاقبة.

وتحت قرية القصير وفوق منتصف الجبل بقليل تنتصب قرية تموقط " باسمة ضاحكة كأنها الوليد الذي تهدهده الأم على المصدر الحنون، أما في السفح فتضطع جَنَّاوَن في استرخاء على

أقدام هذا العملاق العظيم بينه وبين مجرى وادي الزرقاء. وإلى الشمال الشرقي من هذه القرى بنحو أربعة أميال تقع " طرميسة " وهي اليوم تشبه أن تكون برجاً عظيما أو ناطحة سحاب. اختار لها مؤسسوها أنف جبل شامخ يشبه أن يكون

زاوية مثلث، فوضعوها على رأس الزاوية ثم اقتطعوها عن بقية الجبل بخندق حفرته أيدي الناس، فكان الدخول إليها والخروج منها لا يمكن إلا على معابر يضعونها في النهار ويزيحونها في الليل فتنام آمنة مطمئنة، إنها شديدة الشبه بالجزيرة، غير أن خندق الجزيرة حفرته عوامل الطبيعة، أما خندق " طرميسة "

فقد حفرته أيدى البشر لتتحصن به من عدوان البشر. وتقع ما بين طرميسة وجادو وأرجان وأدرف منطقة كانت آهلة بالسكان، متصلة العمران، متواصلة البنيان، يقوم في كل مرتفع منها مسجد أو مصلى، وفي كل شعب من شعابها آثار قرية أو بقايا ضاحية، يصل بين ذلك غابة خضراء متشابكة بالزيتون، متمايلة بالنخيل، ينتثر بين ذلك شجر التين والكرم. أما تلك المدن والقرى التي بقيت إلى اليوم تدب فيها الحياة دبيباً ضعيفاً أو قوياً، فقد كانت في يوم ليس ببعيد في التاريخ مثابة للعلم، ومركزاً للإشعاع، ومأوى للأخبار ومحطاً للرحال، رحال الكرام، يأوون إلى الكرام.

وهذه " جناوَن " التي لا تجد اليوم فيها سبعين رجلا ذكرا كانت

يجتمع بها في مسجد أبي عبيدة سبعون: عالما، لا يرد أحدهم السؤال إلى الثاني إلا من طريق الأدب، وكان أبو عبيدة على ما عنده من علم وحكمة يجلس إلى بعضهم كما يجلس التلميذ إلى الأستاذ، وكان هؤلاء العلماء يعيشون في عصرهم بما تعنيه هذه الكلمة، فهم مطلعون على سير الحوادث وحالات المجتمع. يدرسونها ويتشاورن فيها، ويتخذون في جميع ذلك القرارات

اللازمة.

11

425

424