الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٢٨

الإباضية

وفي قرية " القصير " التي كانت محل استراحة واستحمام بين " جادو وجناون " كان يجلس أبو الليث في صعوده إلى جادو أو في منحدره إلى جناون، فيصلي لله ما شاء، ثم يعقد مجلس العلم في ذلك المكان الجميل الذي تظلله أشجار البطوم العظيمة، فيحضر إليه الناس ويقبلون عليه إقبال العطاش ولا يزال الناس إلى اليوم يذكرون تلك المجالس العلمية العامرة بالإيمان؛ ولكنهم بدلا من أن يشغلوها بالدراسة، وإحياء السيرة وبث المعرفة، ونشر الفضيلة، أصبحوا يشغلونها بالصدقة والإطعام مرة أو مرتين في السنة، وهكذا عندما أقفرت الرؤوس من العلم جادت الجيوب بالمال، وفي هذا دليل على أن القلوب مفعمة بالإيمان وحب الخير ولكنها في حاجة إلى تعليم وتنوير. أما " يوجلين " التي أنجبت " أبا يوسف وجدليش بن في " وأضرابه، فقد كانت ملاذ المشائخ ومزار الصالحين، ومقصد العلماء العاملين، حتى قال بعض المؤرخين إن العلامة أبا محمد عبيدة بن أفلح اليُوجَلانى إنما تعلم العلم في بيته، لكثرة من يغشاه من العلماء الأعلام، ولطول ما يقيمون عنده، وكان من أكثر العلماء إقامة في يوجلين وأخصهم بأبي محمد العلامة أبو عبد الله بن جلداسن، وعليه أخذ أبو محمد عبيدة وغيره علماء يوجلين، وقد أسندت إمارة الجبل إلى أبي عبيد الله بن جلداسن، فكان يقسم وقته بين لالوت وجادو، وفي الفترة التي يقيمها في جادو كان يمكن يوجلين ومنها يحضر إلى جادو ليقوم بمهام الحكم. أما الدروس فكان يلقيها أحيانا في يوجلين وأحياناً في امسراتن مسجد نفوسه.

من

لقد كان عبيدة بن أفلح غنياً كريماً، ولذلك فقد كان يطعم

هؤلاء المشائخ الذين يقيمون في يوجلين، فيطيلون الإقامة من خالص ماله، ولا يقبل مساعدة من أحد، ولم يكن يشابهه في ذلك إلا العالم الثري أبو علي الفساطوي الذي كان ينفق من غير حساب وكان من أخص الناس به وأقربهم إليه أبو الخير الزواغي

حتى ارتفعت الكلفة بينهما، وكانا يتحدثان في كل جليل وحقير من أمرهما.

زاره عدد كبير من المشائخ فأقاموا عنده وأطالوا الإقامة، فاختص بضيافتهم، ولم يسمح لأحد أن يساعده ويشاركه، وكان يذبح كل يوم شاة لعشائهم وشاة لغذائهم، فخجل المشائخ وخافوا أن يكونوا أثقلوا عليه فكلموا أبا الخير الزواغي راجين منه أن يترك اللحم على الأقل في إحدى الوجبتين، وفي اليوم الثاني من حديثهم مع أبي الخير زاد أبو على فجعل على كل وجبة شاتين، وعاتب المشائخ أبا الخير فقال لهم: لقد أبلغته رجاءكم ولكنه استشارني واستنصحني فنصحته بالزيادة في الخير …

أما طرميسه التي أنجبت عدداً من فحول العلماء مثل أبي محمد التنكينصي ومحمد بن بركين وأضرابهم فيكفي أنه نشأ فيها من يستحق أن يلقب بأستاذ الجبل في القرن السابع الهجري، ذلك العلامة أبو موس عيس الطرميسي.

بن

لقد كانت جادو بما تشتمل عليه من ضواح وقرى هي الحصن

427

426