الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٢٩الإباضية
المنيع طيلة عدد غير قليل من القرون، وقد بقيت مركزاً للحكم، وعاصمة سياسية للجبل، يتوالى عليها الأمراء، أميرا بعد أمير لم تخضعها القوى التي كانت تتكالب على احتلال الجبل من الشرق والغرب، وصمدت في بطولة للضربات العنيفة التي وجهت إليها، ولم تؤثر عليها حتى الجريمة النكراء التي ارتكبها الميورقي يوم أحرق غابة الزيتون التي كانت تظلل مدخل الوادي جناون " فكان عمله ذلك أفظع من عمل " داهيا " الكاهنة الوثنية، لأنها كانت تحسب ذلك حيلة من حيل الدفاع، أما هو فقد أتخذ ذلك وسيلة من وسائل الهجوم ضاربا بعرض الحائط تعاليم الإسلام، ووصايا أمراء المؤمنين بعدم حرق الشجر، حتى أيام الفتوح في البلاد التي لم ترتفع فيها كلمة الإسلام. وادي الآخرة
واد عميق، كثير الأشجار، غزير المياه، تنبع من أماكن مختلفة منه عدد من العيون والآبار، وهو ينحدر من الجنوب إلى الشمال كما تتجه جميع الأودية التي تشق جبل نفوسة في أماكن
كثيرة.
وعلى جانبي هذا الوادي من الشرق والغرب تنتثر مجموعة من القرى والمدن كان لها الأثر القيم في التاريخ العلمي لهذه البلاد، والأراضي المنبسطة من شرق هذا الوادي وغربه تكون غابات جميلة من الزيتون كثيفة الأشجار دائمة الخضرة، خصبة التربة، والقسم الواقع منه إلى الغرب كان يسمى أرض بني زمور، وهو ما يطلق عليه اليوم اسم الرجبان، وفي أرض بني زمور هذه
تقع عدد من المدن والقرى كانت منشأ فطاحل من قدموا للأمة ما هي في حاجة إلى مثله اليوم. وفي الجهة الغربية من هذه المنطقة تقع مدينة
العلماء،
" أَشْفِي
11
على منبسط فسيح فوق الجبل الشامخ، قريباً من حافته. وإلى هذه المدينة لجأ العلامة طاهر بن يوسف، وقصة هذا الشيخ في الواقع إحدى المآسي التي تنتج عن عهود البغي والظلم والعدوان، واستحلال ولاة الأمور لما صانه الإسلام من أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم. نشأ طاهر بن يوسف في وطنه " ساحل المهدية "، في أسرة مؤمنة أنعم الله عليها بالكفاف من الرزق، وكان يلي أمر البلاد التونسية حينئذ الطاغية المعز بن باديس، وزار المهدية، وجمع الناس، وصار يفرض عليهم الضرائب الباهظة دون رجوع إلى حكم الإسلام، ولا تقدير لما يملك الناس من أموال، فكان يدعو الرجل فيفرض عليه مبلغا من المال فإذا بادر الرجل إلى شكر السلطان سكت عنه وأخذ منه ما فرض عليه، وإذا لم يبادر إلى شكره ضاعف عليه وهكذا. ودعا أعوان السلطان الشيخ فيمن دعوا من الناس فقرأ الكاتب ما يلي:
على طاهر بن يوسف سبعون قفيزا من الزيت، فسكت الشيخ، وأمر السلطان الكاتب أن يعيد القراءة، فبقى الشيخ ساكتاً، فغضب المعز وأخذ الكشف من الكاتب وقرأ: على طاهر بن يوسف سبعمائة قفيزا من الزيت، ولكن الشيخ بقي مطرقاً ساكتاً لا ينبس بكلمة، فكاد السلطان ينفجر من الغضب، وقام
429
428