الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٠

الإباضية

يفكر في وسيلة للانتقام تذل هذا الرجل الصموت الوقور. أما الشيخ فقد حسب جميع ثروته الصغيرة فوجدها لا تفي بهذا المبلغ، وكان قد سئم من هذا الجور الذي لا يقف عند حد. فجمع ما خف لديه من مال وركب البحر هو وزوجه المخلصة، وكان ذلك المال القليل مع ما عندها من الحلى قد جعلتها في صرة واحتفظت بها.

ولما كان المركب ببعض الطريق أرادت أن تغسل يديها فسقطت الصرة في البحر واستراح ابن يوسف من المال، وهكذا هاجرت هذه الاسرة الكريمة من ساحل المهدية إلى طرابلس، ثم إلى جبل نفوسه وليس لديها من حطام الدنيا إلا ثياب مهلهلة على ظهور أفرادها، وقصد الشيخ جبل نفوسة معقل الأحرار حينئذ، ونزل أول ما نزل في " تاغمة " إحدى ضواحي " يفرن " المدينة البيضاء كما كانت تسمى في التاريخ القديم وتسابق الناس إليه يجمعون له الأموال ويقدمونه له المساعدات، ولكن الشيخ طلب إلى الناس أن يمسكوا أموالهم، ويحتفظوا بها لأنفسهم حتى يزور بقية الجبل، ويرى بقية إخوانه من العلماء الأعلام، ثم يختار لنفسه بلدا يسكنه.

وهكذا بدأ رحلته في الجبل واجتمع بأقطاب العلم والدين، يأخذ منهم ويأخذون منه وأخيراً اختار مدينة أشفى، فاتخذها وطناً، وقرر الإقامة بها، وحينما استقر بأشفى ذهب العلامة

عيس

ي بن محرز، وكان في تاردية إلى مسجد أمسراتن الذي يشبه أن يكون دار ندوة يحضرها كل علماء نفوسة فصلى

صلاة الصبح، ثم أخبر الناس باستقرار الشيخ طاهر بن يوسف

في اشفي، وجمع الناس له في ذلك المقام ستة وخمسين ديناراً وبعث إليه علماء جناون أربعين قفيزا من الزيت، وبعث إليه إخوانه في شروس أربعين دينارا: وبهذه الثروة المتواضعة استطاع ذلك العلامة الكبير أن يعيش في اشفي عيشة المؤمنين آمن

على حريته

وهو

إلى الشرق من أشفي تقع مدينة كبيرة أخرى هي " تاردية " وقد جثمت على منبسط من الأرض فوق جبل شامخ ترنو منه إلى "قصر الحاج" القرية الصغيرة عند السفح، كما يرنو العملاق الطويل إلى قزم يلعب بين قدميه. وفي هذه المدينة يقوم أبي يحيى، بمئذنته الضاربة في الهواء، كالمنارة الحدباء، مائلة قليلا إلى الغرب كأنها تنحني لتهمس في أذن صومعة أبي زيد تشكو إليها أحداث الزمان وتغير التاريخ، وإعراض الناس عن الله وعمارة المساجد والقيام بأمر الله وإلى المشرق من هذه المدينة لمسافة ليست طويلة تقع مدينة " سنتوت " متكئة على صدر هضبة ترنو إلى الشمال في غير مبالاة.

دين

وفي هذه المدينة المسترخية اليوم نشأ أبو الشعثاء السنتوتي: قمة شامخة من قمم العلم وعلما من أعلام الفضل، دأب على التدريس. وهذا خلق طبع عليه جميع رجال العلم في ذلك الحين، على أن الذي أمتاز به أبو الشعثاء إنما هو عنايته بتعليم الفتاة، فقد كان يخصص لهن دروسا فكن يتلقين عنه العلم

431

430