الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣١

الإباضية

ويستمعن منه إلى النصيحة، ولم يكن مجلسه يقتصر على الفتيات من " سنتوت " بلده، أو القرى والمدن القريبة منه فقط. وإنما كان يحضر إليه الفتيات الذكيات الراغبات في العلم من الأمكنة البعيدة التي يقطعن فيها المسافات الطويلة حبا في الثقافة، ورغبة في توسيع المدارك، حتى لقد تحضر إليه الفتيات " تدينت ". وإذا كان هذا إقبال المرأة عليه، واهتمامه بأمرها. فإن إقبال الرجال عليه أعظم، ورسالته فيهم أوسع، وعمله بينهم أكثر إثماراً، وأوسع إنتاجاً، وأعود بالفائدة …

وحياة أبي الشعثاء حافلة بالعلم والتعليم، والقيام لله بالأمر

بالمعروف والنهي عن المنكر. والفهم الصحيح لدين الله. كانت أم الخطاب امرأة صالحة رغب فيها أخو زوجها السابق. فجاء يخطبها فرفضته فألح، فأقسمت بعتق رقيقها أن لا تتزوجه، وأكثر عليها الناس فيه القول واللوم، وألحوا في النصيحة حتى لانت واستجابت وراجعت نفسها وفكرت في قسمها، فقال لها أولئك الذين يحتالون على الدين، ويلتمسون الفتوى من الطرق الملتوية، ولا يهمهم أن يحللوا ما حرم الله. قالو لها: لو وهبت مماليكك لأحد الناس ثم تزوجت فردهم عليك أو رد بعضهم لجاز لك ذلك، ولكنها لم تطمئن، فذهبت إلى أبي الشعثاء تسأله عن موضوعها وتخبره عن فتوى الناس، فقال لها في استنكار وتأنيب: أتخادعين من خلق الخداع – يا أم الخطاب؟ … فرجعت مسرعة إلى دارها، فوجدت الإماء ينسجن فقالت لهن: إنكن معتقات، فقمن ولم تزد واحدة منهن خيطا فرحاً

بالحرية وكن ثلاث عشر جارية وعلى مسـ ـافة قريبة من سنتوت إلى الشرق تقع مدينة " إشارن " بلد أبي اسحاق العالم الزاهد الذي كان لا يفتأ يقول لأهل بلده: اضمنوا لى أربعا أضمن لكم

أربعاً.

الأذان، والصلاة، وتعليم الخط، وحفظ القرآن الكريم. يسلم مسافركم، وينمو رزقكم، وتطفأ نار الحرب عنكم، ويرتفع

القحط

: فإذا جاء إلى المسجد ولم يجد أحداً غضب الله وشدد الإنكار واسمعهم قوارع التأنيب وربما قال لهم يا أهل: إشارن صرتم "

إشارن " 60.

كانت أرض بني زمور المنبسطة المعتدة ما بين وادي الآخر والأراضي التابعة لجادو متصلة العمران، كثيرة القرى، يعمرها العلم والعمل الصالح، وكانت ترتفع في وسط هذه الأراضي العامرة مدينة " ميرى " على عدد من الهضاب المشرفة على المنطقة. وعلى قمة عالية من إحدى هذه الهضاب لا يزال يجثم مسجد الإمام العظيم عبد الوهاب بن عبدالرحمن كما يجثم الصقر على صخرة ضاربة في الهواء، ينظر إلى ماتحته من حشرات وخفافيش في احتقار وازدراء. مكث عبد الوهاب بن رستم سبع سنوات كاملة. في المدينة، فكانت بذلك عاصمة للإمامة فيما بين سرت والمغرب الأقصى وكان يرجع إليها الولاة من سرت وودان وزويلة وفزان، كما يرجعون إليها من تونس والجزائر. واتس عت المدينة العظيمة للإمام العظيم فكانت حلقة

433

432