الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٢الإباضية
اتصال بين الشرق والغرب والجنوب، واليوم وقد غدا الزمان على المدينة وأصبحت خرائب وأطلالا لم يبق منها إلا ذلك المسجد، يروي للتاريخ عبر الماضين ولا يزال إلى اليوم حرما أمنا يضع فيه أبناء الرجبان اليوم زرعهم وزيتونهم فلا تمسه يد، ولا يعتدى عليه معتد، كأنما لا يزال أمير المؤمنين عبد الوهاب يقيم فيه حدود الله
فيقطع أيدي السارقين، وينزل حكم الله على الخائنين … وإلى الجنوب من ميرى بنحو ميلين تنبسط " أدرفُ " التي تقع على مشارف غابة الزيتون. فإلى شمالها الشجرة المباركة، وإلى جنوبها تمتد سهول مزارع القمح والشعير …
وقد أنجبت هذه المدينة أعلاماً قل أن يجود بهم الزمان، وفيها نشأ عدد من العظام الذين اختيروا لحكم جبل نفوسة، ومن بينهما أبو داود الذي أستقل بحكمها فقيل عنه: إن نفوسة لم
تر مثل أيام أبي داود. الله. أقيمت حدود وصد. عدوان المعتدين، فانتشر الأمن وعم
الرخاء، واستقرت الحياة بالناس، فكان عصره عصر خير وبركة. على الضفة الشرقية لوادي الآخرة تمتد اراضي " تَاغَرْمِين الفسيحة الخصبة، وقد كانت تلك الأراضي الفسيحة عامرة بالمدن والقرى آهلة بالسكان ما بين حافة الجبل ومطكوداسن. على حوافي الجبل يظلك شجر الزيتون الضخم، وعندما تبتعد عنها إلى الجنوب تمتد أمامك مغارس شجر التين، فإذا تجاوزتها انبسطت أمامك مزارع القمح والشعير تلك المزارع التي لا يصل إلى مداها البصر و ـر ولا تحدها رؤية العين تبدأ ضيقة في رؤوس
الهضاب، ثم تنفسح تدريجيا، فإذا نزلت الأمطار انسكب عليها
الماء
من
المرتفعات فأرواها وانعشها.
و " تاغرمين " هذه التي أصبحت اليوم تسمى " الزنتان " كانت مقر علم وفضل ودين ومنبت رجولة وبطولة وأخلاق. وفيها نشأ عدد غير قليل من فطاحل العلماء، مثل أبي يعقوب، الذي حكم جبل نفوسة، فكان من خيرة الحكام اتباعا للحق، ورجوعا إلى دين الله في كل صغير وكبير، وتواضعا للمؤمنين، قال فيه أبو العباس: " أتاه رجل بنميمة فقال: فلان لا يقول هذا: بل هو منك. فقطع عن نفسه النمائم 61". اما أبو محمد عبيدة بن زارور فقد كان في المرتبة السامقة من العلم والورع والاستقامة. جلس يوماً إلى المشائخ يتحدث عن نفسه ويراجع حسابه مع ربه فقال: عملت ثلاثا يشبهن الفضول: أعطيت حمارا فارها أركب عليه من مكان إليمكان فأعجبني سيره فقلت: ما أحسن. هذا الحمار فقال الرفاق إنه لليتيم الفلاني. وحين عرف أبو محمد أن الحمار ليتيم نزل وأتم الرحلة على رجليه، ولو لا الفضول لبقى راكبا دون أن يجد في نفسه شيئاً. ومر عل بستان تين فدعاه صاحبه إلى الأكل ودخل العالم الورع فأعجب بنضارة التين وطيبه فقال: ما أحسن هذا التين، فقال له صاحب البستان عندما سالت الأمطار انكسرت إليه
سير
تلك الساقية، وأشار إلى ساقية تجلب الماء إلى بستان ثان، فقال أبو محمد: ولمن الساقية؟ فقال صاحب البستان: إنها لليتيم
435
434