الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٥

الإباضية

الجبل حتى هجر تملوشايت التي أنجبته، وجعل مركز حكمه في " أيباناين " ثم أنتقل أبناؤه من أيباناين بعده إلى كل مكان، وعمروا كل بلد إلا تملوشايت مدينتهم الأولى.

وكما فعل آل الباروني فعل أبناء أبي منصور، فما أسند الحكم إلى أبي منصور حتى انتقل إلى جادو، وقد عمر أبناؤه من بعد كل القرى والمدن إلا تندميرة مدينتهم التي أنشأت أبا منصور. وعلى هذا المنوال سار آل شماخ فقد انتقلوا إلى يفرن، واستفاد من علمهم وخلقهم ودينهم كل مكان في الجبل، ولكن جبل شماخ لم يعد مأوى لهم.

إن هذه المدن الثلاثة تملوشايت وتندميرة وشماخ أنجبت أبر الأولاد، ولكنها أثرت بهم غيرها وتسلسلوا في بلدانهم الجديدة. ولكن أعمالهم كانت للأمة جمعاء، إن المدن الأخرى التي انجبت عظماء مثل هؤلاء أو أكثر أو أقل احتفظت بأبنائها، وإن كانت أعمالهم للجميع.

وكأن أسرة الشماخي لم تتكون في هذا الجيل إلا لتدخله في

آلاف حساب التاريخ دون من الربا والوهاد في مختلف البلاد. وعلى الجهة الشرقية لهذا الوادي تقع مدن كثيرة متناثرة بين هضاب قليلة الارتفاع، ووهاد قليلة الانخفاض، ذات تربة خصبة، تزدان بحدائق غناء من أشجار الفواكه المختلفة.

تلك المدن المتناثرة تتقارب في بعض الجهات حتى تصبح مدينة واحدة، وتتباعد في جهات أخرى حتى تصبح ضواحي لتلك المدينة، ويطلق عليها اليوم اسم يفرن، وهو اسم القبيلة

11

البربرية التي كنتها في بعض أدوار التاريخ، أما الأسم التاريخي لهذه المدينة قبل الإسلام فهو البيضاء، واستعمل الإسم الأخير حتى في بعض الصور الإسلامية، وذكرها به بعض الكتاب، ومن المفارقات: أن هذا الإسم كان يطلق على طرابلس أيضاً، فيسميها بعض الرحالين بالمدينة البيضاء، قال التيجاني: " ولما توجهنا إلى طرابلس وأشرفنا عليها كاد بياضها مع شعاع الشمس يعشى الأبصار، فعرفت صدق تسميتهم لها بالمدينة

البيضاء ".

وتاريخ يفرن الإسلامي حافل بالمجد والعظمة، وقد بقيت مدة غير قليلة مركز إشعاع، ومنذ القرن الثامن تقريبا حملت رسالة العلم والتعليم في الجنوب الليبي، وكان لها فضل عظيم في نشر الثقافة الإسلامية ورعايتها، والدعوة إليها إلى زمن الاحتلال الإيطالي وحتى في عصور الانحطاط أيام حكم الدولة العثمانية على البلاد بقيت يفرن في مقدمة البلاد د التي على التراث الإسلامي الصافى محافظة لا تساهل

حافظت

فيها ولا تفريط. وقد كانت زاوية البخابخة مقصدا لطلاب العلم، ومأوى لعشاق الثقافة يقصدها نجباء الطلاب من كل مكان تقوم برسالة التعليم المقدسة باستمرار مرة بقوة ونشاط ومرة بضعف وفتور، حتى جاءها في أواخر العصر التركي الإمام العلامة عبدالله ابن يحيى الباروني، فجدد بناءها، وجدد أسلوب التدريس فيها فاقتبس طريقة التعليم والاصلاح الاجتماعي ومكافحة الأمراض التي بدت تسري في كيان الأمة من دين الله، ومن

441

440