الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٦بدين
الإباضية
الله، فانطلق يدعوا إلى الله، لا يقيم الدنيا وما فيها وزناً. ولا يحسب للناس وأعمالهم حسابا، ولا يخشى للتعب والمشقة عاقبة. ولا ينظر إلى المعارضة إلا على أنها عوارض تعترض طريق المؤمن فيجب عليه أن يتخطاها.
قلبه عامر بالله وحده، فلا يتردد لأي أثر من مخلوق.
، وجسده
بما فيه من قوى مادية وروحية مسخر للدعوة إلى الله، لا يفتر ولا يلين ولا يتوقف.
انطلق من جزيرة العربية إلى إفريقيا وحيداً منفرداً، يقتحم المجاهل ويدخل القفار، ويغشى المجتمعات التي لا تعرف له جنسا ولا لغة، وليس له من سلاح في كل ذلك إلا ذلك الإيمان الذي عمر به قلبه، وتلك المعرفة الشاملة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرة السلف الصالحين من الصحابة والتابعين، ولم يمض عليه عشر سنوات حتى كانت دعوته تنتشر ما بين تلمسان وسرت، وحتى كان المذهب الإباضي مذهباً لأغلب السكان في ليبيا وتونس والجزائر.
كان يقول في مبدأ أمره وددت أن يظهر هذا الأمر يوماً واحداً فما أبالي أن تضرب عنقي.
وقد تحقق أمله في الله
في
مدة لم يكن يتصورها، وأصابه
من التوفيق ما يضيفه الله على الأخيار من خلقه، الذين تعدهم الأقدار لتبليغ رسالة الله بعد الأنبياء عليهم السلام فينطلقون بالدعوة صافية كما كانت في عهد النبوة، خالصة من الشوائب
والبدع والخرافة.
كان سلمة بن سعد ينتقل بين بلدان شمال أفريقيا من جهة
إلى جهة لا يعتمد على جيش ولا حرس ولا رفيق، ولم يصحبه في تلك الرحلات الطويلة من الجزيرة إلى العراق، من العراق إلى أفريقيا، إلا إيمانه بصحة العقيدة وصفاء الفكرة، وسلامة الدعوة، ومعرفة واسعة للإسلام وأسراره وكانت هذه المميزات هي التي فتحت القلوب والعقول لدعوته وتقبلتها بقبول حسن
وقد استطاع أن يوصل الدعوة إلى الأماكن التي لم تصل إليها، وأن يوجه إفهام الناس إلى تفهمها، وأن يوحد بينهم
في الاتجاه العملي، حتى استطاع أن يكون منهم بعثة علمية توجهت إلى البصرة مركز الإشعاع في ذلك الحين.
وقد استطاع أن يجعل أعضاء هذه البعثة العلمية من أماكن متفرقة، بعيدة عن بعضها، حتى يكون كل واحد منهم نبراسا يهتدي به في جهة من الجهات، وحتى يعملوا جميعاً على توحيد جهود الأمة، وتوجيهها إلى الخير العام. ونجح سلمة في إرسال هذه البعثة، ونجحت هذه البعثة التي أطلق عليها " حملة العلم إلى المغرب " في دعوتها والقيام برسالتها، وكان أعمالها ما سوف تقرأ بعضه في حلقات هذا الكتاب. لقد كان سلمة بن سعد بطلا من أبطال الإسلام، وداعية من دعاة الحق والكرامة، يتصف بجميع الصفات التي تلزم الداعية. الله .. من معرفة كتاب الله وأسراره، واستقامة على دين ومنهاجه، وتخلق بآداب الإسلام وفضائله، ووضوح في المنطق، وسلامة في التعبير، وقوة في الحجة. كان مؤمناً من أخلص
من
31
30