الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٤٣الإباضية
ورجعت إلى البيت ودخلت الدار فوجدت الزوجين قد تغديا وتركا لها نصيبها في إناء. فرجع إليها الخاطر من جديد وأحست بالغيرة تدب في نفسها واصفر لونها.
وكان أبو عامر ينظر إليها في شوق وحنان، فلما رأى وجهها متغيرا عرف حديث النفس وقام إليها فامسك بطرف كمها وقال كمن يخاطب الشيطان: اخرج يا عدوا الله من جسد طاهر. وكان لهذه الكلمات الأثر المطلوب على نفس المرأة المؤمنة. فقد خرج الشيطان من جسدها الطاهر، وزالت الغيرة من نفسها، ورجعت إليها الثقة في زوجها وعاشت الأسرة المتكونة
من إمرأتين ورجل في منزل يغمره الحب والتفاهم والتعاون. ومع هذا الخلق السامي الذي تتحلى به أمة الواحد لم تسلم من نقد الزميلات، فقد أعلنت شيئا مما تحرص النساء على أخفائه. فبعثت إليها زينب اللالوتية تقول لها في استنكار وتأنيب: " لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعلنا " فتابت أمة الواحد. واستمعت إلى النصيحة التي وردت إليها من أخت مؤمنة تحب
لها الخير وتحرص على سلامة دينها وسعادتها في آخرتها. لقد كانت المرأة المسلمة في تلك العصور تقف إلى جانب الحق لا تتعداه وما دام الشارع الحكيم يوجب عليها أمراً من الأمور فهي تسمع له وتطيع غير ناظرة إلى إساءات الناس أو احسانهم.
أبو عثمان المزاتي: عالم من كبار العلماء، ومؤمن من أصدق المؤمنين، كان يسكن قرية " دَجَّى " هذه القرية التي تجثم على
تس
مي
صدر جبل شامخ إلى الشمال من " تنزغت " و" غفسوف " وكان لأبي عثمان بنتان أحسن تربيتهما وتعليمهما: الكبرى منهما " منزو "68. وكانت قبيلته تسكن إلى الجنوب عند بئرها المعروف اليوم " بئر مزاته" فجاءه بعض أقربائه يخطب إليه منزو ولم يظن أبو عثمان بهذه الفتاة اللطيفة الأديبة الصالحة عن أجلاف البادية فاستجاب له، وما تم العقد حتى نهض الرجل ومر بجانب البيت الذي فيه العروس، وقد كثر فيه لفظ النساء فصاح بصوته الغليظ الجافي قائلا: إن كانت منزو بينكن فلا آذن لها أن تبقى. وقامت الفتاة المؤمنة الصالحة اللطيفة قبل أن تستكمل زينتها وسارت وراء هذا الزوج الجافي الغليظ الطبع، وكان راكباً
جملا …
وسارت الفتاة، وطال بها المسير، حتى حفيت قدماها، وسالت منها الدماء، ولكنها مع ذلك لم تشك ولم تتبرم، فإذا نزل زوجها في مكان للمبيت أو للمقيل، بادرته فوست له رداءها، ووطأت
له مجلسه، ثم عالجت له طعاما، فإذا قامت له. بجيمع شؤونه وقدمت له ما يحتاجه رجعت إلى نفسها وأدت حقوق ربها ولم يزل هذا دأبه ودأبها حتى وصلا إلى وطنهما، فبنى لها بيتا بعيدة على الناس، فكانت تشبه أن تكون سجينة لا تزور ولا تزار … إنها لا ترى أحداً من خلق الله غير هذه الطلعة الكريهة الحافية، وكانت مع ذلك تبالغ في الإحسان ويبالغ في الإساءة. وذكرها المشائخ بعد طول غياب، ذكرها العلامة أبو زكرياء يحي
457
456