الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٤٤الإباضية
بن يونس السدراتي، فدعا أباها وجماعة من المشائخ إلى زيارتها.
وسار المشائخ يقطعون ألوية الرمال ليزوروا أختا في الله وشاءت المصادفة أن يصلوا إليها وهي تصلح بيتها من الخارج منفضلة 69. فكانت أول كلمة وجهها إليها أبو زكرياء هذه التحية: "إني لأختار أن أجد جنازتك خارجة، ولا أراك خارج بيتك متفضلة "، واستتابها فسارعت إلى التوبة والاستغفار ولم تعتذر بأنها منفردة، وأنه لا يوجد في المنطقة غريب، وأنها تمر عليها الشهور ذوات العدد لا تسمع. حساً أ ولا ترى شخصاً؛ لم تقل شيئا عن ذلك ولم تشك ولم تتبرم. لقد كتب عليها أن تتزوج هذا الرجل وله عليها حقوق فعليها أن تصبر وأن يؤدي ما عليها من حق غير ناظرة إلى صاحبها أيستحق هذا التكريم أم لا
يستحقه، ومكث القوم ثلاثا ثم قفلوا راجعين.
ولقد أثرت حالة منزو هذه على أبي عثمان، فكان يحس لها من الألم شيئا كثيراً، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً لها. واستفادت بنته الصغيرة" تكفا " من نفسية أبيها بعد قصة فكانت تلقى منه من العطف والتدليل فوق ما كانت تجده منزو قبل ذلك، حتى كانت تفضي إليه بأسرارها العاطفية وتحادثه عن زينتها، وما تخشاه من فسادها وهي تزف إلى زوجها الحبيب في ليلة العرس ..
فكان يرفق بها ويساعدها ويستمع إليها في حنو بالغ ....
إن الذي يقرأ الحوادث السابقة قد يحسب أن مجهود المرأة الإباضية في ليبيا قد يقف بها عنصر الصبر والاحتمال،
والخضوع المطلق للزوج أو الأب أو الولي، وهو حسبان ليس له ظل من الصواب، فإن المرأة في تلك العصور رغم أنها لم تزل حجابها ولم تمتهن نفسها، ولم تستعرض مفاتنها على العيون، ولم تنحدر بكرامتها إلى سوق المساومة، إنها رغم ذلك كانت تشترك اشتراكا فعليا في أحداث الحياة وكثيراً ما وجهت سياسة الأمة من جهة إلى جهة، ولم ينقص كفاحها عن كفاح الرجال في جميع الميادين. 7 – كانت أم يحيى 70 العالمة الفاضلة، والمربية القديرة. تسكن مدينة " أمسين " بين جيطال " و " تمجار". وكانت ترى أن الفتاة لا تتم دراستها في المدارس التي يدرس بها الطلبة الذكور، ورأت أنها لو فتحت مدرسة خاصة بالفتاة لأتاحت للمرأة المسلمة فرصة الدراسة إلى آخر المراحل التعليمية، وما أقتنعت بهذه الفكرة حتى شرعت في تنفيذها، وتأسست المدرسة الخاصة بالبنات، وفتح بها شبه ما يسمى اليوم، بالأقسام الداخلية. فكانت الفتيات يقبلن عليها للتعليم، وكانت البعيدات منهن يقمن في المدرسة، وهي تقدم لهن الأكل وتشرف على تربيتيهن، ولم تكتف بهذا، فقد كانت توجه الفتيات حسب استعدادهن وميولهن، فكانت تربى الجميع تربية إسلامية صالحة، وتوجههن في الحياة، فمنهن من تفتح لها أبواب العمل، ومنهن من تسهل لها طريق تكوين أسرة، ومنهن من تحرص أن تستمر في دراستها حتى تصل إلى درجة النبوغ. ولست أدري والله ما الذي صنعه علم النفس الحديث فوق ما صنعت هذه المرأة، ولا المآثر التي بلغتها المرأة، اليوم فوق ما فعلته
459
458