الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٥١

الإباضية

تقع على الضفة الغربية لوادي الزرقاء الجميل، إلى الجنوب من ندباس بمسافة قصيرة. ودرست على العلماء الأعلام هناك وبلغت مرتبة أن تبلغها، امرأة، واشتهرت بين الناس بالعلم والصلاح والرأي السديد. ولا يزال مسجدها إلى اليوم مشرفا فوق ربوة عالية يصارع ويطاول التاريخ.

وفي مدينة جَنَّاوَن التي لا تبعد عن الجمارى بمقدار خمسة أميال كان يعيش أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني.

وكان الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن يعرف ليبيا ويعرف رجالها فقد بقى سبع سنوات، وأراد أن يختار واليا على ليبيا فوقع اختياره على أبو عبيدة الجناوني. وعزز هذا الاختيار اتفاق المشائخ

عليه.

ولكن أبو عبيدة رفض هذا المنصب الذي يُلقى عليه، وألح عليه الإمام وألح عليه المشائخ ولكن دون جدوى، وطالت المحاولة وشغلت فكر أبي عبيدة، وأخيراً وجد الحل .. قال للمشائخ الذين كانوا مجتمعين عنده يبذلون محاولة أخيرة لا قناعة إنه سيستشير، وغدا يسمعون الكلمة القاطعة. ونظر المشائخ بعضهم إلى بعض علهم يعرفون هذا الرجل الذي يركن أبو عبيدة إليه أكثر مما استمع إلى هؤلاء الأعلام وإلى رجاء الإمام … ونظر الشيخ بعد صلاة العصر يصعد جبلا شامخا إلى جهة الغرب حتى بلغ القمة، فظهرت له ربوة مرتفعة نتأ عليها مسجد يشرف على مناظر الزرقاء الساحرة، وقصد المسجد وكانت نانا مارن بجوار المحراب تناجى ربها فسلم أبو عبيدة وجلس

وأفضى إليها بذات نفسه، وحدثها عن مشكلته، واستمعت إليه كما تسمع الأم الحازمة إلى مطالب الولد المدلل، ثم قالت له: إن تقدمت وأنت تعلم أنه يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار، وإن تأخرت وأنت تعلم أنه لا يوجد من هو أكفأ منك فأنت في النار، وفكر الرجل الكبير واستعرض الرجال واحداً واحداً ثم رفع إليها رأسه وقال في احترام عظيم: أما في الرجال فلا، ورجع إلى جناون واجتمع في اليوم بالمشائخ وأعلن لهم قبوله لذلك المنصب فقال أحدهم: هيا بنا نزور وقاية هي خير من عمائمنا. وكان لهذا الموقف الحازم من الجدة أثر في تاريخ بنيها لا يزال إلى اليوم يذكر بالفخر والاعتزاز إن المرأة في ذلك الحين كانت واعية، وكانت عارفة بمجرى الأحداث والتيارات السياسية المعارضة، وكانت تعمل على تووجيه الأمة الوجهة الصالحة. أن تملأ المجالس بالثرثرة، وتشغل الأسماع بالخطب الرنانة، وتقارع الأحزاب على المنابر لتظهر براعتها في الحذاقة لا في نصر المبدأ .. وجدير بي في هذا الفصل أن أذكر أمثلة. لتكون عبرة وموعظة لهذه الأجيال. 15 – " نانا تابركانت السدراتية 78 " أعظم امرأة عاشت في تلك العصور الطافحة بالإيمان والعلم والخير وقد اشتهرت بين العلماء، بشهرة لم يبلغ إليها أحد في زمانها، وإذا أطلق لفظ العجوز أو لفظ الجدة أو لفظ جدة المشائخ في كتب الفقة وكتب السيرة، فالمعنى بذلك إنما (العالمة الفاضلة الصالحة). زارها جمع من العزابة فقالوا لها أوصنا يا عجوز؟

دون

من وصايا العجائز

473

472