الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٥٢

الإباضية

فقالت: وكيف أوصيكم وأنتم الرجال منكم الرسل والأنبياء. ومنكم الأمراء والوزراء، ومنكم المؤدنون والأئمة، قالوا: لا بد من ذلك فإن الذكرى تنفع المؤمنين:

قالت: إياكم وكثرة الكلام لئلا تكذبوا، وإياكم وكثرة الأيمان لئلا تحنثوا، وإياكم وكثرة الإدلال لئلا تسرقوا، وإياكم والتهمة لئلا تظلموا.

قالت: زيارتكم طلب حوائجكم، ومصافحتكم مقارعة واكلكم أكل النهماء، ومشيكم مش المرضى، ونومكم نوم

الموتى.

قالوا: زيدينا …

قالت: شر الصدور صدر لا رأفة فيه، وشر الأقدام قدم لا تزور في الله، وشر البيوت بيت لا يدخله المسلمون، وشر المال مال لا

ينفق منه.

ثم ترجمت لهم إلى اللغة البريرية قول بعض الحكماء. نقّ العمل فإن الناقد بصير، جدد السفينة فإن البحر عميق، كثر

الزاد فإن السفر بعيد خفف الحمل فإن العقبة كؤود. أعتقد أن هذه الأسطر كافية للدلالة على مركز هذه المرأة العظيمة، واتساع علمها ودراستها ونعرفتها لأسرار الشريعة وأسرار النفوس.

وإنه لمن المناسب أن أنقل في هذا المقام تلك الوصية الغالية التي بعثتها نفوسية إلى زميلة لها في تاهرت فقالت لها:

لا يأكل خير ما في بيتك غير زوجك ولا تكشفي رأسك في بيت غيرك ولو كان صاحبه في العراق، ولا تجعلي مدراك في أندر غيرك أرادت بذلك أن لا تبدأ في إشاعة الأخبار قبل أن يتناقلها

الناس. وف الوصية الأخيرة عبرة يجب أن تفكر فيها فتاة اليوم. وذلك ما طبعت عليه المرأة من كثرة الحديث ونقل الشائعات من مكان إلى مكان. هذه لقطات أخذتها. الصدفة من حياة المرأة الإباضية في ليبيا، ولم أقصد من التقاط هذه الصور إلى كتابة قصص أو استهواء القراء الكرام بجمال الخيال ليستطيع كل مشتغل بالقصة أن يجد مادة خصبة في حياة المرأة وكفاحها الطويل في سبيل الحق، ولو فعل لأمد المكتبة الإسلامية العامرة بثروة رائعة من قصص الواقع.

أما أنا في هذا الكتاب فإنني أحاول أن أصور للقارئ الكريم حياة هذا القسم من الأمة العظيمة، وأن أطلعه بقدر الامكان على سيرة أهل المذهب الذين عاشوا في هذا الجانب من الوطن الكريم، وطبيعي أن حياة الأمة وتاريخها لا يتمثل في مظهر دولة لا تحكم بكتاب الله، ولا يستمد من أعمال قواد جيوش يفرحون بما لديهم من قوة فلا يفرقون بين الحق والباطل، ولا في ترف عدد قليل من أصحاب الثروة والمال الذين لا يزنون القيم الإسلامية

إلا بالذهب.

ولكن تاريخ الأمة يتمثل في سلوك الفرد العادي، في عمل

475

474