الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٥٣الإباضية
المدرس والفلاح والعامل والتاجر أولئك الذين يقدمون على أعمالهم بوحي من ضمائرهم، وبضرورة مصالحهم ومصالح أسرهم ومصالح أمتهم - لا في أعمال الذين تأتي إليهم الأواكر فينفذونها كأنهم آلات صماء.
إن تاريخ الإباضية يتمثل في الكلمة الحرة، والفكرة الحرة. والحركة الحرة في البيئة الحرة، لم يقلها صاحبها وآلات التسجيل تننظر ما يقول، ولم يعلمها وآلات التصوير تواجهه من كل ناحية، ولم ينمقها ليكسب بها مزيداً من الأصوات، ولم يزينها في المعارض أو في المتاحف.
وارجع معي ايها القارئ الكريم إلى بعض الفصول السابقة فستجد صورا دون رتوش تمثل لك حقيقة الحياة، وحقيقة التاريخ في بساطته وواقعيته.
هذه فتاة متعلمة تناقش أباها في دلال وبراعة، وهذه بنت في أوائل البلوغ تزف إلى بيت الزوجية في فصل شتوي ممطر فتخشى على زينتها، وتشكو حالها إلى أبيها المحب وترجوه مساعدتها، وهذه امرأة كتب عليه القدر أن تتزوج من أجلاف البادية، فتتبعه حافية القدمين، وتصبر على فظاظة الزوج الخشن، وقساوة الصحراء - رغم رقتها ولطفها وثقافتها، وهذه امرأة مؤمنة ترى رجلا يتقدم إلى الصلاة بالناس وفيهم من هو أولى منه، فيرتفع صوتها من ركن النساء تنهاه عن التقدم، كما كان يرتفع صوت أم المؤمنين آمرة بمعروف أو ناهية عن منكر، وهذه عجوز قد درست العلم واختبرت الحياة، وعرفت حلو الزمان ومره
يدعو
ذلك
تلقى بالنصائح الغالية إلى أبنائها، وهذا عالم من ال العلماء إليه جماعة من زملائه، وينتقل من بلد إلى بلد ليحل مشكل فتاة أعرضت عن الزواج، وهذا خلاف ينشب بين أخ غيور وأخت تحب أن تستكمل دراستها، وهذه امرأة تهمها قضية المرأة في التاريخ، فتنشيء مدرسة خاصة بالبنات وتنشيء فيها قسما لسكني الغريبات منهن، وهذا جمع من أعلام الفكر يعقدون مجلساً لشأن من شوؤن الدولة، فلا يوفقون حتى تعرض قضيتهم على امرأة فتجد لهم الحل … إلى آلاف من الصور التي تمثل الحياة الطبيعية بما فيها من واقعية … لقد حاولت أن أضع بين يديك صورا من التاريخ الحقيقي، كما تجرى به الحياة، بعيداً عن ضوضاء السلطان، وطغيان المال، وبما أن الأمة تتكون من العنصرين الأساسين: الرجل والمرأة فقد حاولت أن أجلو لك صوراً من حياة كل منهما. ولست أدرى هل استطعت أن أقدم إليك المادة الحقيقية لحياة المرأة الإباضية في ليبيا – حياتها وهي تقوم برسالة الأمومة كأحسن ما تقوم بها الله كأحسن ما تعمل مؤمنة، وتطلب العلم أم، وتعمل بدين كأحسن ما يطلب العلم، وتثبت حقها الطبيعي في اختيار الزوج بإصرار، وتشترك في مجالس العلم وندوات الاجتماع بأوفر نصيب، وتقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن النكر كما تقوم مسلمة غيورة على دين الله: أم أن قلمي الضعيف ترنح ان يتم هذه الصورة التي أردت أن أضعها بين عينيك.
477
476