الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٥٤مقارنات
في هذا الفصل أريد أن أضع بين يديك أيها القاريء الكريم أحداثاً تاريخية وقعت في عصور مختلفة من تاريخ الإباضية في ليبيا - وكانت حين وقوعها أمورا طبيعية لا تثير الاهتمام ولا تبعث على الأعجاب …
فلما وقعت أشباهها في هذه العصور، اعتبرت بعض تلك المواقف بطولات، واعتبرت تلك الأحداث أوائل تاريخية تكسب
المجد العظيم. الاكتفاء الذاتي:
اعتبر غاندى من أبطال التاريخ في كفاحه السلبي للاستعمار الإنجليزي. وذلك لأنه اقتصر في غذائه على نتاج الهند، ودعا مواطنيه إلى الاقتداء به، حتى لا يجد المستعمرون في الهند سوقا رائجة يشحنون إليها بضائعهم، ويتخذون ذلك ذريعة للسيطرة عليه، وهو موقف عظيم قدره له التاريخ. ولكن التاريخ حين يشد ببطولة غاندي ينسـ بطلا آخرا سبق غاندي إلى هذه الفكرة بعشرة قرون. لقد كان العلامة الكبير أبو الليث الجناوني يقتصر في غذائه على حليب بقرة يرعاها أو ترعاها زوجه في أراضي جناون الخصبة، وكان يقتصر في كسائه على ما تنتجه أيدي الجناونيات من أنسجة الصوف المتينة، وكان
يدعو إلى الاقتصار على الإنتاج المحلي، حتى لا تتسرب البضائع المسترابة إلى البلاد وحتى يجد الظالمون وسيلة لدخولها وكان هذا الرجل في مقام من التعظيم والاحترام لم يصل إليه أحد، فإذا تكلم أنصت العلماء، وطأطأ الحكام رؤوسهم، إنه لا يقل عن غاندي في عظمة التفكير ويزيد عليه بكرامة الإسلام. وكل ما ينقصه إنما هو وسائل النشر والدعاية والإتصال. الثورة البيضاء:
عب
ثار الضباط الأحرار في مصر، وخلعوا الملك فاروق من العرش. وطوحوا به إلى المنفى وحرروا الشـ المصري من ظلم طويل وهذا عمل عظيم والتاريخ اليوم يشيد بهذه البطولة التي تقلب نظام الحكم، وتعزل ملكا دون أن تريق قطرة دم، ولكن التاريخ الذي يشيد اليوم بهذا العمل المجيد يمر مرا سريعا بحادث يقع في ليبيا منذ اثنى عشر قرنا.
كان يحكم ليبيا تحت ظل الخلافة العباسية حكام لا يقلون عن فاروق ظلما واستبداد وبعدا عن أحكام الإسلام في ذلك العهد القريب من مطلع الإسلام. وكانت الأمة تتألم في
تحت ذلك الحكم المستبد.
صمت
وتداعى جمع من المؤمنين الأحرار وقرروا الإطاحة بالظالمين. فاحتلوا المدينة - طرابلس - واستولوا على مركز الحكم، دون أن يريقوا قطرة واحدة من الدم، ثم داعو إليهم الحاكم العباسي وخيروه بين البقاء بينهم فردا عاديا من أفراد الأمة أو الخروج من ليبيا آمنا موفورا، وكل ما هنالك من فرق بين الثورة البيضاء التي
479
478