الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٥٦

الإباضية

على أن هذه الفتاة التي حطمت التقاليد وأغضبت الأهل. وحضرت مجالس العلم، كانت أولا تسلك سلوكها هذا تحت مراعاة مربين قدراء أمثال " أبي محمد. محمد خصيب " ثم كانت تحافظ على سترتها ولباسها وحشمتها، ثم كانت لا تفتح المجال للاختلاط الحر، ولا تشترك في نقاش أو حديث مع أحد إلا في

قاعة الدرس.

وهناك فرق كبير بين أن يفتح المجال للفتاة كي تستمر في الدراسة حتى تبلغ غايتها تحت رقابة الدين والخلق وحسن التربية ومثالية السلوك، وبين الدعوة التي ينعق بها اليوم كثير من الناس إلى اشتراك الفتى والفتاة في تجربة فرص الحياة بما تحمله كلمة التجربة من معان، ويدعون إلى أن تبدأ هذه التجربة من المدرسة …

من قضايا المرأة أيضا:

إن مشكلة تعليم المرأة من أهم المشاكل في العصور الأخيرة. وقد تضاربت فيها الآراء وأختلفت وجهات النظر، وكان بعض المفكرين يرون أن الفتاة يجب أن تدرس بجانب الفتى ابتداء من روضة الأطفال إلى نهاية المراحل الدراسية، ويرى مفكرون آخرون أن الفتاة يجب أن: تستقل بمدرستها ومنهجها وأسلوب تربيتها في جميع مراحل التعليم، ويتخذ آخرون مواقف متأرجحة بين الموقفين السابقين، وأنا في هذا الفصل لا أريد أن أعلن عن رأي خاص في الموضوع، وإنما أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم رأيا أعلنته ثم نفذته، وقد اتفق عليه أعلام يحسب لهم حساب في

مجال التربية والتعليم، وذلك قبل عشرة قرون. اهتمت أم يحيى في ذلك العصر بقضية تعليم المرأة، وكانت

درست على كثير من فحول العلماء، منهم زوجها أبو ميمون ولكنها رأت ما تلاقيه الفتاة من المشقة والتعب في الدراسة مما يضطر الكثير منهن إلى الإنقطاع، ولذلك فقد قررت أن تنشئ مدرسة خاصة بالبنات وأنشأت هذه المدرسة فعلا في مدينة " أمسين " وجعلت فيها أقساما داخلية تأوي إليه الطالبات الوافدات من بعيد، ولم تكتف بهذا بل كانت توجههن توجيها اجتماعيا واعيا، ففي الحين الذي تشجع البعض منهن على الاستمرار في الدراسة والتبحر في العلم، كانت تشير عل أخريات بالدخول في معترك الحياة بتكوين أسرة، أو ترشدهن إلى بعض الأعمال النسوية المعروفة في ذلك الحين ولكنها غالبا ما تمسك الفتاة في مدرستها حتى تطمئن إلى أنها فهمت واجباتها الدينية والإجتماعية وتم فيها البناء الخلقي واكتمل لديها مقومات المرأة الفاضلة. ذلك ما فعلته المرأة المسلمة منذ عشرات السنين، وهذا ما اليوم من علماء النفس والتربية في الغرب، حاسبين أنهم سبقونا إليه، وأن لهم الفضل علينا في ذلك، ولو رجع المسلمون إلى تاريخ أمتهم، وراجعوا ماضيها البعيد والقريب لوجدوا فيه ثروة صالحة لأن تكون أساسا لما وصلته حضارة

نقتبس

4

الإنسان في القرن العشرين.

483

482