الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٨الإباضية
يقطع هذه المسافات الطوال من ليبيا إلى العراق في ذلك الزمن الذي يعسر فيه الانتقال. منفرداً وحيداً يحمل مشعل العلم والنور إلى وطنه، حتى يستنير به أبناء هذا القسم من الأمة العظيمة في هذا الطرف من المملكة الشاسعة التي لم تتح لها ظروف الفتح أولا، والثورات الحمقاء المجنونة ثانيا – لم تنجح لها هذه الظروف غير المستقرة أن تهتم بقضية العلم والتعليم، التي هي أهم رسالة يدعو إليها الإسلام ويطالب بها بنيه. ومع هذا المجهود الجبار الذي يبذله هذا البطل لخدمة الأمة وإعلاء كلمة الله، يمر عليه التاريخ فلا يشير إليه إشارات عابرة كما يشير إلى أي شخص عادي. ومع ذلك فالرجل راض عن ذا الموقف من التاريخ، ونحن أيضاً راضون له بهذا الموقف من التاريخ، لأنه عندما كان يقدم على ألوان الكفاح، واقتحام العقبات والصعاب، لم يجعل في عمله حسابا للتاريخ، أو لرأي الناس فيه، أو لمدح المحبين، ونقد المبغضين. لقد كان عمله خالصا الله، وقد علمه الله، وعنده وحده يكون الجزاء.
ومهما يكن، فقد فتح الطريق للبعثات، واستجاب لأمر الله، حين أوجب على طائفة من المسلمين أن يتفقهوا في الدين. لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، وربط الصلة بين مشرق الأمة ومغربها، ودعا إلى تطبيق أحكام الله، وتنفيذ أوامره، حسبما كان معروفاً في زمنه صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين، وكان شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقافا عند حدود الله، لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولكن عندما يجترى مجترى على الحق يقف له موقف المؤمن الغيور الذي لا
تأخذه في الله لومة لائم. وقد بارك الله في عمره، فامتدت به الحياة إلى أن جاء الإمام
عبد الوهاب إلى جبل نفوسه، فكان يحضر مجلسه على كبر سنه. ولعل في الحادثة الآتية مثلا رائعاً لمن أراد أن يقتدي بأعلام الإسلام وأدبهم في إقامة الحق واتباع دين الله: ارتفع رجلان في خصومة إلى الإمام عبد الوهاب، فاستردد الإمام المدعى عليه الجواب، ولكن الرجل اعتز بالإثم ولم يجب الإمام، فسأل الإمام عن ابن مغطير، فأجيب بأنه غير موجود، فقال للخصمين قوما إلى غد، ورجع إليه الخصمان في اليوم الثاني والثالث، فكان موقفهما منه مثل موقفهما في اليوم الأول. وفي اليوم الرابع عندما تخاصما من جديد وطلب الإمام إلى المدعى عليه أن يجب فلم يجب، سأل الإمام عن ابن مغطير، وكان بناحية من المسجد، فما أتم الإمام سؤاله حتى وثب ابن مغطير – وكان شيخاً طاعناً في السن – على الممتنع، فوطئه بركبته، ولم يتركه حتى استغاث بالإمام وأذعن للحق. وفي القصة مثل رائع عن خلق هؤلاء الأئمة وأدبهم، هؤلاء الأئمة الذين لا يرتفعون عن الأمة ولا يحتجبون عن أفراد الشعب، ولا يتخذون قصوراً دونها حرس وحجاب، وإنما كانوا يجلسون في المساجد كما يجلس أي مسلم، وهم يتولون شؤونها، وينظمون أمورها، ويفصلون مشاكلها بروح الإسلام الذي يفصل بين الناس بالعدل لا بالقوة، وبالحق لا بالغطرسة، وبالبساطة لا بالتبجح والدعوى.
35
34
344