الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٩37
الإباضية
وفي القصة مثل آخر رائع، ضربه ابن مغطير، هذا الشيخ الهرم، الذي حضر دروس أبي عبيدة قبل أن يحضرها أبو هذا
الإمام، وامتدت به الحياة حتى رأى هذا التجني على الحق والاستكبار عن أمر الله، وإساءة الأدب أمام أمير المؤمنين فأردا أن يعلم الحاضرين في المسجد أن القوي أمام الحق ضعيف، وأن الضعيف إذا كان في جانب الحق قوي. بل أراد أن يعلم أولئك الحاضرين أن الحقوق لا تعطل لاستكبار المستكبرين، واعتزاز الآثمين بالإثم، فإذا خطر لأحدهم أن يقف هذا الموقف، وجب على أولئك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أن يتناولوه بالشدة وأن يعلموه بالأدب.
أما العبرة الثالثة التي تستخلص من هذه القصة، فهي هذا الاحترام العظيم الذي يسبغه الإمام العظيم على العالم العظيم. إن عبد الوهاب لم يتوقف عن تأديب هذا الشخص خوفاً منه،، ولا جهلا بأحكام الله، ولا تساهلا فـ في دين، ولكنه أدب طبع عليه، وتقدير لهذا العلامة الذي يجب أن يستشعر كل مسلم في ذلك الحين عظمته وطموحه ومحبته لدين الله. وكفاحه من أجل العلم.
إن ابن مغطير، هذا الرجل الذي جاب الآفاق طلبا للعلم. وعاش للتدريس والفتوى، ثم حمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، لمثل حي يجب أن يقتدي به المؤمنون.
كفاح الإباضية الطغيان
كانت جيوش الفتح الإسلامي تحمل رسالة الله منطلقة بها في البلاد، تدعو إلى الإسلام، الإسلام المجرد الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، نظيفا من الظلم، نظيفاً من الطغيان، نظيفاً من الجهل، نظيفا من العنصرية، نظيفاً من البدعة، فكانت الشعوب تستبق إليه، وتدين به، مؤمنة مخلصة.
فلما انتهي عهد الخلفاء الراشدين، بما يحمل من هدى وعدل وحق، وخلقه ملك عضوض، يتنازع عليه أهل البيت الواحد قبل أن ينازعهم فيه البعداء عنهم، ويجده من حصل عليه منهم فرصة سانحة للاستغلال. الاستغلال في أبشع صوره ومظاهره، وأصبحت النفس المسلمة التي حرم الله قتلها، أهون عندهم من نفس ذبابة، وانحرف أولئك الذين يحملون أمانة الدولة عن الطريق التي رسمها لهم كتاب الله، وهدي محمد عليه السلام، وسيرة أصحابه الأخيار، رضوان الله عليهم.
36
36