الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٥٩

الإباضية

هي جهاد الأبطال، وتاريخ الفتح العربي في ليبيا، وأعلام ليبيا. وعناية الأستاذ الزاوي بالتاريخ الليبي جهد مشكور، وعمل نبيل وقد حاول أن يظهر في كتبه بمظهر الرجل المنصف السليم الطوية، إلا أن قلمه خانه فكانت تصدر منه اللمزات الخفيفة والطعنات الخفية كأنه خائف لا يقوى على الظهور، فهو يستتر خلف عبارات ملتوية أو إشارات بعيدة، ولكنها موفية للغرض. وإذا كانت ليبيا جزءاً من الوطن الإسلامي الكبير، تسكنها أمة مختلقة الأجناس والألوان فيها البربر والعرب، وفيها السود والبيض.

فإن المؤرخ السليم يجب أن ينظر إلى الأحداث التي تقع في هذه البلاد نظره إلى أحداث تقع من أفراد أسرة واحدة، فإن الإسلام ليس له لون ولا. جنس. وكما أن الثورات والحروب لم تقع في جميع تلك التي تتكون من جنس واحد ولون الممالك حتى واحد - ما دام هناك ظالمون ومستغلون - فإن الثورات هنا لم تتوقف. والمؤرخ المنصف يجب أن ينظر إلى السبب الحقيقي المباشر لكل ثورة أو حدث أو فتنة والباعث عليها، فليس الثائرون هم المخطيئين دائماً، وليس حقاً أن تولى شأناً من شوؤن المسلمين يكتسب بذلك حصانة يستطيع أن يفعل داخلها ما يشاء من استغلال مجهود الناس.

وإنه لتحريف لدين الله أن يفسر قوله تعالى:] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَولِي الأمْرِ مِنْكُمْ بهذا المعنى. فإن أولى الأمر الذين يتحرفون عن دين الله ويحكمون بغير

ما أنزل الله. ويتخذون عباد الله خولا، وأموالهم دولا، ليسوا منا أي ليسوا من المسلمين الذين تجب لهم الطاعة، فإنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق والأحاديث التي تخرج الفساق والعصاة من المسلمين كثيرة ومتوافرة: (من غشنا فليس منا) 79 فالحاكم الذي لا يتقيد بنصوص الشرع الشريف وأحكامه غاش المسلمين، فهو ليس منهم ولا تجب له عليهم طاعة، والذي يحمل عليهم السلاح فيقتل منهم بغير حق، أو يأخذ أموالهم بغير عدل، ليس منهم، ولا تجب له عليهم الطاعة. ولكن الأستاذ الزاوي لم يكلف نفسه هذا العناء، فهو من

أول كتابه " تاريخ الفتح العربي في ليبيا " قسم السكان إلى قسمين: عرب وبربر، ثم جعل العرب كتلة واحدة، وجعل البربر كتلة واحدة، ثم جعل يضع على كواهل البربر جميعا أخطاء التاريخ، ويلقى عليهم كل أعبائه، وينسب إليهم جميع النقائص

عب.

وهذا منطق غريب ليس أبعد التي يمكن أن تنسب إلى شـ منه عن الصواب، وأوغل في الخطأ: فإن البربر باعتبارهم جنساً. ليسوا أسوأ من العرب، وأن العرب باعتبارهم جنساً ليسوا خيراً من البربر، وأن العرب والبربر جميعاً باعتبار أجناسهم ليسوا خيراً أو أسوأ من غيرهم من الشعوب. ولقد كنا نعتقد أن خرافة الجنس الأعلى " السوبرمان " فكرة ولدت في دماغ هتلر وذهبت معه إلى غير رجعة، وبقيت كل السعوب متساوية باعتبار أجناسها، وإن تفاوتت في أخلاقها وأعمالها ودينها …

489

488