الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٦٢الإباضية
ولماذا نجعل باب الفتنة بأيديهم؟ ونحن نعلم أن باب الفتنة إنما كان في يد. أولئك الذين غرتهم الحياة، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، فاستبدوا بالأمة وعبثوا بالأمانة، وخانوا الله ورسوله ليحتفظوا لأنفسهم بعزة السلطان. وليس ذلك من مبادئ العقائد أو الفرق الإسلامية، ولكنها فرص أتيحت لأفراد من الأمة انحرفوا عن سبيل الله، فلج بهم الطغيان في الباطل والجبروت.
وأنا حين أقول هذا الكلام لا أريد الدفاع عن الخوارج ولكنها كلمة حق أهمس بها في أذن مؤلف معاصر جرفه تيار أحداث سابقة، ثم إنني أريد أن أشير إلى اللمزة الصغيرة الخفية التي تنطلق من قلم الزاوي كأنها خائفة فتتوارى. هذه الكلمة: " ولن يُسد ما دام لهم أنصار على وجه الأرض.". من هم أنصار الخوارج الذين يقصدهم الزاوي في كلمته هذه؟ وماذا يوحي بها؟
إن المرمى الذي يطوّع إليه الأستاذ الزاوي في هذه الجملة سوف ينكشف في لمزات آتية وإنني أدع مناقشة فيها ذلك الحين في بعض نقط هذا الفصل.
صفحة 115:
" وما زال العرب إذ ذاك يخافون ثورة، البربر، وتدبير مكائدهم. وكان رئيسهم في طرابلس عبد الله التجيبي رئيس الإباضية، فقبض عليه إلياس وضرب عنقه ": ولست أدرى ما الذي حمل الأستاذ الزاوي على تكديس البربر وحشرهم في هذه القضية
؛ إن هذه القضية تتعلق بالإباضية والإباضية مذهب ومبدأ وليسوا جنساً أو لوناً وأعمالهم في ذلك الحين إنما قاموا بها من أجل الدين أو من أجل المبدأ، وهم حين يقومون بتلك الأعمال لا ينظرون إلى أجناس الناس لأن الأجناس عندهم متساوية. ولكن الأستاذ الزاوي لا يريد ذلك، إنه لا ينظر إلى دين القوم ولكنه ينظر إلى جنسهم، وما دام الإباضية يثورون على الحاكم الظالم، وما داموا بربراً فلابد أن يكونوا من مدبري المكائد، وهو منطق غريب يجد عليه الأستاذ الزاوي شواهد حتى من المؤرخين المغرضين: فإن تاريخ الإباضية في ليبيا لم يسجل عليهم تدبير ثورة واحدة قبل أن يستحيل إلياس بن حبيب حيث دماء الأبرياء منهم. فلم ارتكب إلياس جريمته في طرابلس، ولم يزد أخوه عبد الرحمن عن نقله من ليبيا ليوليه أعمالا في جهات أخرى. ولم يستجيب إلى حكم الله فيقتل القاتل؛ لما وقف عبد الرحمن بن حبيب هذا الموقف يحتضن أخاه، وبنصره على الباطل ثار الإباضية، وحق لهم أن يثوروا.
وإلياس هذا الذي ثار الإباضية عليه، وطلبوا القصاص منه، رجل رفعته الظروف إلى أن أصبح والياً على طرابلس، فقتل عبد الله بن مسعود التنجيبي، وأراد أخوه عبد الرحمن أن يحول دون القصاص منه، فدعاه إليه في القيروان وولاه على بعض الأعمال، ولكن هذا الرجل المتعطش للدم بهذا.
ومرض عبد الرحمن فذهب إليه إلياس يزوره
فلما
وجد منه
495
494