الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٦٣الإباضية
غرة وثب عليه وأغمد خنجره الحاد في صدره، واحترز رأسه، ثم خرج يعلن للناس قتله لأخيه وتوليه الحكم عليهم.
وهكذا تنكر لمبادئ الإسلام والشرف والإنسانية، والقرابة، ولم يعرف أي حق للأخوة: أخوة الدين أو أخوة الدم، أو حتى أخوة الجنس التي يقدسها الأستاذ الزاوي.
هذا هو الرجل الذي سبب أول ثورة للإباضية على الظالمين. فهل يلام شعب يثور على حاكم ظالم يقتل الأبرياء بغير ذنب، بل تصل به الدناءة إلى أن يغدر بأخيه الأكبر الذي طوق جيده بالنعم، فيقتله غدراً في داره لينصب نفسه حاكما، ولم يكتب له أن يستمتع بالحكم الذي انتهك من أجله أقدس الحرم فقتل بخنجر ابن أخيه بعد أيام من حكمه.
أين الفتنة في هذا؟ وأين تدبير المكائد؟
الدماء
أعند هؤلاء الذين يطالبون بتنفيذ أحكام الله أم: عند هذا الوحش الذي يتنكر لأبسط مبادئ الإنسانية فيلغ في كما يلغ الكلب العقور ويبيح جميع الله ما حرم ليصل إلى الحكم؟
فهل يلام الإباضية أو غير الإباضية حين يضربون على يد هذا الطاغية الظلوم، ويحسبون شره على المسلمين؟ وهل تعتبر ثورتهم هذه تدبيراً للمكائد؟ ونزوعاً إلى الفتنة؟ …
إن الأمة الإسلامية لو حافظت على مبادئ الإسلام، فضربت على أيدي العابثين. وظهرت مناصب الحكم من الوصوليين والانتفاعيين لما نكبت بما نكبت به، وإن المصائب التي أنصبت
عليها في جميع أقطارها كان السبب الأول فيها هو وصول غير الأكفاء إلى مناصب الحكم، ثم استبدادهم به، دون رجوع إلى دين الله، واستخفاهم بحقوق الناس من أموال، ودماء، وأعراض. وكان حقاً على الأستاذ الزاوي وهو يكتب التاريخ في القرن
العشرين ليجمع شتات الأمة في وحدة الهدف الإسلامي. كان حقا عليه أن. يسرد تلك الحوادث مجردة كما وقعت أما إذا أراد أن يبدي فيها رأيه فكان حقا عليه أن يعلق بما يمليه الحق والعدل، ولكن قلم الأستاذ الزاوي ينحرف عن الحق فيسكت عن المجرم الذي أراق الدماء البريئة وتعدى حكم الإسلام … ويرمى المظلومين الذين يطالبون بتنفيذ حدود الله بأنهم قوم يتلمسون أسباب الثورة، وينزعون إلى الثقة، ثم يلجأ كما هي عادته إلى البربرية والعروبة فيقول:
" وما زال العرب يخافون ثورة البربر وتدبير مكائدهم " و " أخذوا يتلمسون أسباب الثورة للانتقام ". " وما زال الإباضية في غضبهم حتى نزعوا إلى الفتنة".
هذه لمزات ينثرها الأستاذ الزاوي في غير موضع من كتابه وهو في ذلك يمزج بين العنصرية والمذهبية، فيربط بين الجنس والعقيدة، ثم يرتب على ذلك أحكامه. حسب العوامل النفسية ورواسب العصبية، وتطغى عليه هذه الرواسب فلا يستبين الحق، ولا يرجع إلى أحكام دين الله ولا يزن أعمال الناس بميزان الشرع العادل، وإنما ينساق في موكب الظالمين، يحدو لهم، ويبرر أخطاءهم، وينقد مخالفيهم، كأنما كان يعيش في تلك القرون،
497
496