الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٦٦

الإباضية

لذلك

رذيلتين في نظر الزاوي كونهم بربرا وكونهم خوارج، وهما يجب أن يتحملوا جرائر التاريخ وعندما يثورن يقف الأستاذ الزاوي موقف القاضي الحازم دون أن ينظر إلى الموضوع، أو أن يستمع إلى دعوى الطرفين ويصدر حكمه بإدانتهم، وعندما يتنصلون من تهمة ألحقت بهم أو ضلالة نسبت إليهم ويقيمون على ذلك الأدلة والبراهين يبتسم. الأستاذ الزاوي ابتسامة صفراء، ويهز رأسه هزة خفيفة فيها مسايرة ظاهرة. وفيها تكذيب داخلي قاطع، فإذا بدرت من أحدهم كلمة أو إشارة، مال في جد ووقار إلى يمينه وإلى شماله يقول في صرامة: ألم أقل لكم إن هؤلاء يكذبون، إنهم بربر، وإنهم خوارج، أرادوا أو لم يريدوا ياسبحان الله، لماذا هذا التحامل كله إن هذا انحراف عن الصراط السـ وابتعاد عن إعطاء النصفة والحق …

سوي،

ماذا تعنى كلمة " لا حكم إلا الله " وما هي الظروف التي نشأت فيها ولماذا يغضب عليها الأستاذ الزاوي؟ إننا لكي نجيب على هذه الأسئلة يجب أن نستعرض الفترة التاريخية التي ولدت فيها هذه الكلمة وموقف الأمة منها.

خالف معاوية بن أبي سفيان إجماع الأمة، وأشعل نار الفتنة، وجهزحيشاً لمحاربة الخليفة الشرعي الذي اختاره المسلمون. وقابله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بما يقابل به خليفة شرعي فئة باغية: فجهز جيشا من أبطال الإسلام، وقاده بنفسه والتقى الجيشان في صفين وابتدأ القتال. وعرف معاوية أنه إذا لم يلجأ إلى الحيلة فإنه سوف يخسر القضية في أقرب مما يتوقع. ومهد لذلك بتكوين طابور خامس في جيش علي، ثم دعا إلى التحكيم.

وعرف علي وعرف الصحابة مقصد معاوية من التحكيم،

وأنها إحدى المكائد التي تفتق عنها ذهن عمرو بن العاص. ولذلك قال علي: إنما قاتلناهم بكتاب الله، وأصر هو وأصحابه على الجهاد، ولكن الطابور الذي كان يقوده أكبر صنائع معاوية الأشعث بن قيس كان قد عمل عمله في الجيش ومالت الأغلبية إلى قبول التحكيم، وحينما كان علي والمخلصون من أ أصحابه يكافحون لإقناع بقية الجيش بصواب موقفهم ونبذ الاستماع إلى هذه الخدعة الحربية التي لجأ إليها الفريق الباغي، لخص أحد أصحابه موقفهم في هذه الكلمة المشهورة " لا حكم إلا لله " وكانوا يصيحون بها في جوانب الجيش ويرددها أنصار علي في كل موقف، وكان علي يستمع إليها راضيا بها وهو يناقش الناس ويدعوهم إل التمسك بمضمون هذه الكلمة وعدم الانخداع بحيل معاوية، لأن قصتهم واضحة وقد حكم فيها الله سبحانه

وتعالى من فوق سبع سماوات …

وشاءت إرادة المولى بحانه وتعالى لحكمة يعلمها أن لا تستجيب الأغلبية لعلي، وأن تميل أكثرية الجيش إلى دعاة الهزيمة، وأن يتغلب الأشعث بن قيس - صنيعة معاوية – على المناضلين من أجل الحق، فيجد الإمام نفسه مضطراً إلى التخلي عن مبدئه، وترك الصفوة من أصحابه ليحافظ على الأغلبية، ويسير معها: فرضى بالتحكيم مرغماً، وإلى هذه اللحظة التي رضى فيها علي بالتحكيم وموافقة الأغلبية، كانت كلمة – لا حكم إلا لله - تعبيراً عن موقفه، وشعاراً لمبدئه، بل إنها تعبير وشعار لكل مؤمن يُحكم كتاب الله فيما شحر فيه خلاف بينه

وبين الناس.

503

502