الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٧٢

ما

الإباضية

مؤمن من المؤمنين ينقل عدداً غير قليل من هذه الكرامات لأشخاص آخرين رضى عنهم: بعضها أغرب من هذه الكرامة التي يكذبها ويجعلها خرافة، وأنا حين أتحدث عن الكرامة سواء منها ما نقله الباروني أو ما نقله الشماخي أو ما نقله الزاوي أو وجد في كتب التاريخ لغيرهم احترس، فلا أزعم أنني أكذبها ما دام أصحابها مشهورين بالصلاح، معروفين بالتقوى. إن الأستاذ الزاوي الذي يستكثر أن تنسب الكرامة إلى مهدي النفوسي، ويحسب ذلك خرافة ويجعل، نقلها سببا للطعن في اخبار ناقليها وعدم تحريهم هو نفسه ينقل عددا غير قليل مما يسميه كرامات في كتابه " أعلام ليبيا " وينقل في كتابه " تاريخ الفتح العربي في ليبيا " ما يلى:

" جاء في رياض النفوس: أن عقبة قال في ندائه: أيتها السباع؟ ادخلوا! فإنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر الناس في ذلك اليوم إلى أمر عظيم نظروا إلى السباع تخرج إليهم من الشعراء تحمل أشيالها، والذئب يحمل اجراءه والحية تحمل أولادها، سمعا وطاعة ".

نقلت هذه القصة الأستاذ الزاوي لا لأكذبها ولكن لأبين عن للقارئ الكريم أن الأستاذ الزاوي لم يكن منصفا وهو يستعرض أحداث التاريخ، فهو في قصة مهدي يريد أن يخضع الكرامة للعقل والمنطق، ولكنه في كرامة عقبة ينسى العقل والمنطق. وإلا فأي عقل اليوم يصدق أن رجلا يقف بجانب دغل ويأمر ما به من الوحوش بالخروج، فتسمع له وتطيع، ثم تبدأ في تنفيذ

الأمر والناس ينظرون، فإذا بالسباع والذئاب تخرج من بينهم حاملة أجراءها، وإذا بالحيات تحمل أولادها. فاذا صدق العقل هذه الهدنة التي وقعت بين الوحوش فكانت تخرج أسرابا مع بعضها البعض لا يثب الذئب على الظبي ولا يعدو الأسد على الوعل وقبل هذا الموقف الذي يصور الوحوش وهي تستعرض رشاقتها: فتخرج بين صفوف من الناس الذين وقفوا يمتعون أنظارهم بهذا المنظر الفريد.

إذا قبل العقل كل ذلك وطلب إلى هذا الرجل الذي روى القصة وشاهد الحيات تحمل أولادها وهي منطلقة في زحفها خارج الدغل أن يصف كيف تحمل الحيات أولادها؟ هل تربطها

على ظهرها وهي خارجة تتلوى، وهل كانت تركبها على الطول

أم العرض، أم أنها تمسكها من أذنابها الدقيقة وتجرها معها، وهل كانت عاطفة الأمومة عند الزواحف في ذلك الحين أقوى منها الآن، بحيث تحضن بيضها وتنظره حتى يفقس فتتولى تلك الفراخ الزاحفة بالرعاية، حتى إذا انتقلت نقلتها معها؟. أليست هذه القصة مما لا يقبله العقل، ألا يدل نقلها على عدم التحري في نقل الأخبار … إنني لا أستكثر على عقبة بن نافع هذه الكرامة أو أكبر منها أو أصغر ولا أستكثر على غيره من المؤمنين الصادقين أن يفيض الله على أيديهم ما يشاء من الأسرار.

ولكنني أحادث الأستاذ الزاوي بالعقل الذي يحتكم إليه حينا ويتركه حينا آخر، أما أنا فأحسب أن الكرامة غير خاضعة

515

514