الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٧٣الإباضية
لمقاييس البش ر، فاذا أردنا أن ندخلها في حساب التاريخ فعلينا أن ننقلها كما رويت لا نزخرفها بالخيال ولا نشوهها بالنقد، ولا نستكثرها على رجل اشتهر بالتقوى والصلاح، فإن ينابيع رحمة الله وقبول أعمال شخص من الأشخاص ومنزلته عند ا الله. لله ما لم يكشف عنه الغيب، ولم ترفع عنه الحجب.
والعلماء الذين تحدثوا عن كرامة الأولياء ذهب أكثرهم إلى أن الكرامة لا تأتي مع التحدي فتنقلب معجزة. كما أنها لا تكون تابعة للرغبة والإرادة، ولا تكون بحال من الأحوال لصاحب
معصية
وكيفما كان الحال فإن المؤرخ النزيه يجب أن يكون له خلق يعصمه من التجني على عباد الله، وأن يتخذ لنفسه مبدعاً يسير عليه، ويحتكم إليه متجردا عن رواسب العصبية المجنونة …
11
8 - يقول الأستاذ الزاوي في نفس الكتاب صفحة 164: أما الإباضية فكان موقفهم من الشيعة هو موقفهم من أهل السنة، موقف التحفظ، وعدم الامتزاج، والنظر إلى غير العنصر البربري نظرة الغريب المحتل، وعلى هذا دأبوا، ولم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا ".
هذه لمزة لئيمة من الأستاذ الزاوي وهي تناقض نفسها. فبينما يقرر في أول هذا الفصل نفسه: أن دولة الشيعة دولة بربرية، يقول: إن الإباضية يقفون معها موقف التحفظ وعدم الامتزاج، ثم يزعم أن الإباضية ينظرون إلى غير العنصر البربري نظرة الغريب المحتل.
لماذا ينظر الإباضية إلى الشيعة نظرة الغرباء، ويقفون معهم موقف التحفظ وهم بربر، لو كان للجنس عندهم حساب؟ عجباً: إن الإباضية يقاتلون " ورفجومة، وصنهاجه، وكتامة وهي أكبر قبائل البربر، ومع ذ يرميهم الأستاذ الزاوي بالتعصب العنصري للبربر، ثم يزعـ أنهم دأبوا على هذا التعصب العنصري، وأنهم لم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا، وهو بهذا الكلام يناقض نفسه فبينما يزعم في صفحة 164: أن الإباضية لم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا يقول في نفس الكتاب صفحة 126: " وكان الإباضية أقرب طوائف البربر إلى العرب، وأقل نزاعاً معهم، ولذلك تجد أكثر الثوار على أمراء أفريقية العرب من الصفرية وغيرهم من النحل المتطرفة". انتهى كلام الزاوي بحروفه. إنني أضع هذا الكلام المتضارب المتناقض أمام القارئ الكريم ليعلم أن الزاوي حينما كان يكتب التاريخ الليبيي لم يكن رائده الإنصاف والحق وانه لم يحمل نفسه عناء التفريق بين اجناس الناس ومذاهبهم الدينية، ومبادئهم الأجتماعية أو السياسية. وأنه كثيرا ما يعمد إلى الغموض والإبهام للتمويه، وأنه لم يصدق في تعليل الأحداث التاريخية، لأن قضية العنصرية كانت تشغل كل حيز في تفكيره، فهو لا يقبس حياة العصور إلا بهذا المقياس، لا يبالي فيها الحق أوالخلق أو الدين.
وإنها لحقيقة تاريخية أن يعرف الأستاذ الزاوي أن الإباضية لم يفكروا يوما من الأيام في الجنس البشري الذي ينتسبون إليه.
517
516