الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٧٤الإباضية
ولم يفرقوا بين البربر والعرب وغيرهم من الناس، فهم يعتبرون المسلمين إخوة يتولون من تثبت عندهم عدالته واستقامته ويبرأون ممن يثبت عندهم عصيانه وفسوقه، ويقفون فيمن لا يعرفون موقف التحفظ: هذا الموقف المحدود الذي يقفه الإباضية مع العرب، ومع البربر، ومع الترك، ومع الهنود، ومع غيرهم من الأجناس، ولو راجع الأستاذ الزاوي أحداث التاريخ التي رواها هو نفسه، ونزه قلمه وقلبه من الرواسب التي تركتها فيهما عنصرية بغيضة لرأي أن الإباضية لم يتأثروا في أي يوم بجنسهم، لأنهم هم أنفسهم يتكونون من عرب وبربر وفرس وغيرهم، وأن تحفظهم إذا تحفظوا في موقف مع فرقة من المسلمين تخالفهم في المذهب، فذلك راجع إلى أصولهم الدينية
ومن
فحسب، كما تحتفظ كل الفرق بالنسبة إلى مخالفيها. والحروب التي دفع إليها الإباضية في ليبيا أو تونس أو في الجزائر كان أكثرها مع البربر لا مع العرب، كما أن الحروب التي دفعوا إليها في عمان أو في العراق أو الجزيرة كانت مع العرب. هذا يتضح أن ما يريد أن يوحى به الأستاذ الزاوي من تفريق كلمة الأمة باطل من أساس ه، وأن كلمته: " ولم تسنح لهم فرصة للثورة إلا ثاروا " لمزة لئيمة متجنية يكذبها الواقع والتاريخ أشد تكذيب، ولعله من المناسب أن استشهد في هذا المقام بالكلمة الرائعة التي علق بها أمير السيف والبيان سليمان باشا الباروني - أعظم رجل أنجبته ليبيا في تاريخها الطويل - على " سلم العامة والمبتدئن " قال الباشا الباروني في تعليق له على الأنقلاب السلمي الذي قام به الإباضية بقيادة
أبي الخطاب عبد الأعلى:
" ربما يفهم من لا علم له من مثل هذه الحركة، أن الإباضية يوجبون الخروج على كل حال، أو يوجبون أن يكون الإمام منهم لا بد في كل وقت، وغير ذلك مما هو من قواعد الصفرية والأزارقة. والشيعة التي هي كثيراً ما نسبها متعصبوا المؤرخين للإباضية،
وليسوا منها على شئ وكتب الإباضية تشهد بذلك ". فالإباضية ليسوا منغلقي الذهن، فيتجاهلون العالم الإسلامي الفسيح، وما يضطرب فيه من آراء وأفكار واتجاهات وقوى، ولذلك فعندما يكون السلطان منهم يوجبون عليه أن يسير سيرة العدول في المسلمين بإختلاف مذهبهم ونحلهم. وإذا كان السلطان من غيرهم من الفرق المسلمة يتعاونون معه في إخلاص مادام محافظا على حدود. الله الله، قائما بدين على مذهبه، فإذا انحرف عن ذلك فإن الإباضية لن يتعاونوا مع الله منحرف عن دين فإذا بلغ به الطغيان إلى استحلال الدماء الله والأموال التي حرم فزع الإباضية إلى سيوفهم، فردوا عدوان
المعتدين إلا إذا لم يستطيعوا. وهذا الموقف هو موقف الإباضية بالنسبة إلى ولاة الأمور: سواء كانوا أشعرية، أو شيعة، أو معتزلة، أو إباضية، أو من غيرهم من الفرق، فهم أنما يطلبون من ولاة الأمور استقامتهم وعدلهم واهتمامهم بقضية الأمة ولا يهتمون لمذاهبهم وأجناسهم.
=
ومن رجع إلى جميع الثورات التي قام بها الإباضية في ليبيا والتمس أسبابها فإنه لن يجد إلا رداً لعدوان أو طلباً لحق، ولن
519
518