الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٧٩الإباضية
للأمة، ولن تجده يصارع البنك والبورصة ويكد فكره طول النهار وزلفاً من الليل في تدبير المقالب ليزيد إلى المال الحرام الذي يملكه مالا جديدا، فإذا رجع إلى بيته رجع مكدودا ميت الروح، فأوى إلى المضجع ونام فيه نوماً ثقيلا طويلا، ولا يستيقظ منه إلا بعد أن يرتفع الضحى ليبدأ الاستعداد للعمل من جديد، وهو في كل
ذلك لا يذكر ربا ولا يؤنس أهلا ولا يؤدى لهم واجبا.
ولن تجد في المجتمع الذي كونه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحاكم الذي يتعالى على الناس، ويحتجب دونهم، ويحسب أن له ميزة على أفراد الأمة، ويظن أن هذا المنصب الذي أعطى له بأمانة الله يخوله حق التصرف في أموال الناس وأموال الدولة بغير حق.
ولن تجد في ذلك المجتمع هذا الموظف الذي تراه غارقا إلى أذنيه في كرسي هزاز. يقرأ جريدة سيارة، أو ينتفخ لاستقبال المتزلفين، أو يحادث زملاءه في العمل، ومصالح الأمة ضائعة، ومشاكلهم متشابكة، والتقارير المرفوعة إليه تثقل الرفوف وتنوء بها
الخزائن …
إنك لن تجد في ذلك المجتمع هذه الصور، وأشباه هذه الصور.
إنك لا تجد الغني الذي يبطره الغنى، ولا الفقير الذي يذله الفقر، ولا تجد الحاكم الذي يشرف بالمنصف، ولا رجل الشعب الذي ينحط لأنه لا يحتل كرسيا في جهاز الدولة: إنهم إفراد متساوون فيما بينهم " تتكافأ، دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" لا يرفع بعضهم عن بعض
إلا عمل خير يتمنى كل واحد أن يكون السابق إليه، ولا ينحط بعضهم عن بعض إلا بتقصير في أمر أو أمر الأمة يصدر من أحدهم، فيحمد الله باقيهم أن حفظه الله.
منه.
إن أعلى وظيفة في الدولة لا تميز صاحبها عن بقية الناس. ولا تعطيه أي حق لم يكن لغيره من أفراد الأمة، ولا يرتفع بها عن أدنى رجل من المسلمين، ولذلك فالمسلم عندما يتولى منصباً
لا يزدهيه هذا المنصب، وعندما يقال لا تؤسفه الإقالة؛ بل لقد كانت المناصب زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن الخلافة الرشيدة قياماً بمهام عارضة، يندب إليها أي فرد من المسلمين، فإذا احتاجت الأمة إلى تجهيز جيش أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أي واحد من أصحابه بقيادة هذا الجيش، حتى إذا تمت المهمة ورجع الجيش منها أصبح القائد فرداً عادياً كسائر الناس، فإذا احتاجت الأمة إلى تجهيز آخر، اشار صلى الله عليه وسلم إلى فرد آخر يتولى القيادة، وأصبح القائد الأول جندياً عادياً، يندفع إلى الميدان لحماية الرسالة العظمى دون أن يشعر أنه أهين بعزل، أو يشعر الثاني أنه أكرم بالتولية، وهكذا في بقية الأعمال، فعندما تحتاج الأمة إلى عامل، أو قاض، أو معلم، أو إمام. أو غير ذلك، يشير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحد أو جماعة من أصحابه ليقوموا بذلك، وهو حين يسند إلى واحد منهم بعض تلك الأمور لا يوليهم فخراً ليس لبقية الأمة. ولا يعطيهم عن عملهم ذلك أجراً مادياً ليس لإخوانهم مثله. ولذلك فهم لا يشعرون أنهم اختيروا أو فضلوا عن غيرهم من المسلمين، إنها مهام الأمة يجب أن يقوم بها أي فرد من أفرادها.
529
528