الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٨٠الإباضية
ولا يراعي في ذلك إلا الاستعدادات الفطرية، والكفاءات العلمية والعملية، ولكنهم مع ذلك متساوون. لا تعاظم ولا أبهة، ولا ترف ولا استغلال.
وليس موقف المرأة المسلمة في ذلك الحين بعيداً عن موقف الرجل في الميدان الذي هيئت لها طبيعتها الأنثوية، فهي تقف، دائما حيث يطلب منها واجب المسلمة أن تقف، لا تطفى بها غرامة القوة فتدفع الرجل عن مقامه لتقوم فيه، ولا يقعد بها الضعف إلى الاستسلام والإهمال والجهل
تتسد
ساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات والأعمال، التي ساوى فيها بينهما الدين القويم، والطبع الكريم، وتنفرد بالحقوق والواجبات والأعمال التي هي من خصائص الأنثى، وتبتعد عن
الحقوق والواجبات والأعمال التي هي من خصائص الرجال. تربط بين أفراد الأسرة بنبل العاطفة وتغمرهم بالحنان، وتملأ أرجاء البيت بالمحبة، وتعمر مساجد الله بالتقوى، وتغترف العلم من منابعه الصافية باستقامة الخلق.
وقد ترافق الرجل في مواقفه العنيفة لتخفف عنه الألم. وتداوي منه الجراح، وتبعث في نفسه الحماس، وتمده بروح الجلد والقوة والكفاح وقد تساعده في عمله اليومي إذا كان ذلك لا يرهق أعصابها، ولا يذيل حجابها، ولا ينافي طبيعتها، ولا يمتص منها عناصر المحبة والعطف والحنان.
أما هذه المواقف التي تصبح فيها المرأة مشاكسة، تنازع الرجل كتفاً إلى كتف، لتأخذ منه موقفه، وتقوم بعمله، فليست موجودة في ذلك المجتمع النظيف
إنك لن تجد فيه المرأة التي تسلم أبناءها كل يوم إلى خادمة. لأنها حين تقوم من النوم تستقبل المشط والمرأة وما معهما من وسائل الزينة، فتقضي بينهما وقتا غير قصير، حتى إذا أكملت زينتها اختطفت محفظتها الأنيقة، ثم سارت تتهادى حتى تصل إلى مقر العمل، في تصريف شوؤن الدولة أو شوؤن الشركة. فإذا انقضى الوقت مرت على المطعم أو رجعت إلى ما هيأته لها الخادمة فتناولته على عجل، ثم استقلت على الفراش لتريح الجسم المكدود، وما تفتأ تشعر بالراحة حتى تعود إلى المرآة والمشط وأداة الزينة تخرج إذا كان المساء أن ينتهي أوت إلى دار من دور اللهو بإسم التسلية، وكثيرا ما تكون هذه التسلية حفلة للرقص، تعرض فيها خصرها الطيع على سواعد المعجبين، فإذا انقضى الليل أو كاد، رجعت إلى البيت مكدودة قد نضجت فيها منابع الحنان، وحب الأسرة ولم يجد منها الزوج والأبناء غير هيكل من عظم، قد امتصت الشوارع منه خصائص الأنوثة من الجمال والحب والحنان، فلم يبق فيها معنى للزوجة ولا روح للأم.
هذه الصورة وأشباهها لن تجدها في ذلك المجتمع النظيف، إن للمرأة رسالة في الحياة، وللرجل رسالة، وكما لا يحق للرجل أن يزاحم المرأة على رسالتها، كذلك لا يحق للمرأة أن تزاحم الرجل على رسالته، إنه قد يطلب من أحدهما أن يساعد الآخر في ظروف خاصة تستدعيها طبيعة الحياة، أما أن ياخذ أحدهما أعمال الثاني، ويجلس في مكانه، فذلك مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها ولعل من أعاجيب الحياة الحاضرة التي انطلقت فيها الشياطين تجوس خلال الديار أن تجد أفراد أسرة
531
530