الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٩١

أبو المنيب محمد بن يانس

هو أبو المنيب محمد بن يانس الدركلي: قال فيه صاحب السير: "المجاهد لنفسه المطيع لربه، ذو المناقب الشهيرة، والمآثر الكريمة." ولكن هل تكفي هذه الجمل القصيرة للدلالة على هذه الشخصية الفريدة؟.

إنها شهادة من أبي العباس لها قيمتها؛ فأبو العباس من أولئك الثقاة الذين يزنون كلامهم بالميزان الدقيق، ويحملون الجمل القصيرة من المعاني ما يحتاج إلى صفحات كثيرة من

غيرهم.

ولكن ما أثر ابن يانس في المجتمع وفي الحياة؟ وما مبلغ دينه وأمانته وخلقه وعلمه؟ ..

طلب الإمام عبدالوهاب في تاهرت، من جبل نفوسة مائة عالم من علماء التفسير لمناظرة المعتزلة.

والمعتزلة قوم ولعوا بالمناظرة والجدل فهم لا ينفكون عن تحدي غيرهم من الفرق الإسلامية. وكان الإباضية على عكس هؤلاء، ولعوا بالعمل بما جاء به الدين الحنيف، ولا يلجأون إلى

الجدل إلا إذا اقتضت الحال ذلك، أو وقع عليهم التحدي.

التفس

ير

وعندما طلب من أهل الجبل هذا العدد الوفير من علماء كان الجبل غاصا بالعلماء، ولكن المشائخ تشاوروا في الموضوع! لماذا يرسلون هذا العدد الوفير؟ إلا يجدون هذا العملاق الذي يقوم مقام مائة بين هؤلاء الأعلام؟

وقرروا أن يختاروا من بينهم واحدا يقوم مقام مائة. واستعرضوا الأسماء، فاجتمع رأيهم على اختيار أبي المنيب. للقيام بهذه المهمة ولما أبلغوه اختيارهم لم يرهب الموقف وهو يعلم ما للمعتزلة من صولة في الجدال.

ولم يتهيب التعب المسافة وبعد بين ليبيا وغرب الجزائر. ولم يطلب من القوم أن يجعلوا له مسـ اعدا يذكره إذا نسي، وينبهه إذا غفل. لقد قبل المهمة دون نقاش واستعد للسفر في هدوء واطمئنان، كأنما يسافر للتجارة إلى سوق حرة في بلد مفتوح.

شخص

إن القارئ وهو يدرس التاريخ، ويستعرض هذه الحوادث، لتأخذه الحيرة في أيهما أعظم؟ هذا الشعب الذي يجمع على الثقة الكاملة في واحد، ويتفق على اختياره ليقوم مقام مائة من المناضلين؛ ومن سوف يناضل هذا الرجل الوحيد الذي تضع الأمة ثقتها فيه، ثم ترسله آلاف الأميال ليقف أمام التحدي؟ … إنه سوف يناضل المعتزلة، أبطال المناظرة، وفرسان الجدال في الأمة الإسلامية كلها.

257

256