الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٩٢نفسه
الإباضية
أم هذا الرجل يتقبل ثقة الأمة فيه، ويستعد لخوض هذه المعركة التي يجهل فيها إمكانيات الخصم كل الجهل. وإنما يعرف وما أعده لهذا النزال لا في هذه الفترة القصيرة التي ب منه فيها أن يمثل أمة. وإنما منذ كان يغدو ويروح على ابن ذلك درار يغترف من النبع الفياض؟
ويتأهب المفسر العظيم للكتاب الكريم للسفر، ويجتمع برفاقه الثلاثة الذين اختيروا بمثل هذه الطريقة لمثل هذه المهام. وليس مع هذا الوفد لجنة لنشر الدعاية، ولا آلة لتصوير المناظر،
ولا خدم لتوفير الراحة ولا حاشية لإظهار العظمة والهيبة. ولم يزودوا بأموال للنفقة، ولم تحسب لهم علاوة للمبيت ولم تفتح بين أيديهم خزائن الدولة.
لقد طلب إليهم أن يقوموا بمهمتهم، وليس لهم إلا ما تفيض به رحمة الله …
وودعهم إخوانهم الذين وثقوا بهم واختاروهم من بين آلاف العلماء يزخر بهم الوطن الليبي في ذلك الحين، ولم يزودهم بشيء غير دعوات صالحة من قلوب مؤمنة .. وعندما انفصل الموكب عن المودعين، طلب إليهم أبو المنيب أن يسمحوا له بخدمتهم أثناء هذه الرحلة الطويلة - ولم يكن أبو المنيب أصغرهم سناً - فسمح له الرفاق الثلاثة بذلك. فأضاف إلى عمله مهمة أخرى شاقة في سفر طويل عندما ينزل الرفاق للمبيت، يبادر أبو المنيب فيعلف الخيل ثم يجمع الحطب، ويهيئ العشاء، فإذا اطمأن إلى راحة رفاقه
وانتهوا من صلاة العشاء، وأوى الزملاء إلى مضاجعهم، قام هو فاستقبل القبلة، وبدأ الصلاة مستفتحا بالبقرة، فلا يقبل الفجر حتى يكون قد ختم القرآن الكريم فيصلى مع رفاقه صلاة الفجر ويعد لهم ما تيسر من فطور، ثم يواصلون الرحلة. وبعد أيام كان أبو المينب يشتغل بإحدى المهام، وكان الرفاق الثلاثة يتناقشون فيما بينهم عن زميلهم هذا، ولما رجع إليهم قالوا له: إما أن تترك خدمتنا وإما أن تترك هذه الصلاة في الليل، فقال: أما خدمتكم فلا سبيل لتركها، وأما الصلاة: فأرجوا أن تسمحوا لي بصلاة ركعتين فقط، ونظر القوم بعضهم إلى بعض وظنوا أن أمر صلاة ركعتين امر يسير لا بأس به، فوافقوه على هذا الالتماس. وعندما جاء موعد صلاته قام فاستقبل القبلة واستفتح للصلاة بسورة البقرة، واستمر يتلو كتاب الله حتى ختم سورة الكهف فأهوى للركعة الأولى واستفتح للركعة الثانية بسورة مريم وركع لها عندما ختم سورة الناس. فما سلم حتى انبثق الفجر، وقام مع زملائه لصلاة الفجر. وعند المساء وهم يتناولون العشاء الطيب البسيط الذي اعده لهم، قالوا: ارجع إلى عادتك الأولى من الصلاة، فإن في الركوع والسجود بعض الراحة.
نظر إليه أحد الزملاء في ظلام الليل - والرياح الجنوبية الهوج
في الصحراء تعبث بثيابه وهو قائم يناجى ربه في صلاة خاشعة
- فقال: إن كان لا يدخل الجنة إلا من كان مثلك يا ابن يانس فستصيبك فيها الوحشة.
259
258