الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٩٣

الإباضية

وكان رحمه الله إلى هذا العلم الواسع، والورع الذي بلغ النهاية، حازماً قوياً في دين الله، لا يخشى صاحب سلطان، ولا يسكت عن منكر يرتكب أمام عينيه مهما كان صاحبه، ولا يدع الأمر بالمعروف.

كان بمصر في تجارة له يبيع فيها زيتا ومر به أعوان السلطان يحملون شخصا وهو يستغيث مر به وهو يقول: أنا بالله وبالسلطان، فلم يشتغل به ثم سمعه يقول: أنا بالله وبأهل سمعه يقول: أنا بالله وبالمسلمين. المروءة، فلم يشتغل به ثم فترك الزيت ووثب إلى الأعوان، فخلص منهم الرجل، ولما نجا الرجل الشرطة إلى السلطان، فقال له السلطان: ما حملك مع على ما فعلت قال العالم الورع القائم بدين | الله: لم يسعني في ديني أن أتركه حين استغاث بالمسلمين. فالتفت السلطان إلى أعوانه وقال لهم: أبمثل هذا تأتونني؟ ..

ذهب

لو لا هذا ومن كان مثله لم تطلع علينا الشمس، فبهم أمهلنا الله!. ومر بإحدى القرى التونسية وكانت تحت حكم

الأغالبة في ذلك الحين، فوجد الشرطة يجرون امرأة وهى تستغيث بالله وبالمسلمين، فطلب منهم أن يتركوها، فلم يستجيبوا له. فجرد سيفه وخلص منهم المرأة، وذهب معهم إلى صاحب السلطة، فقال له ما حملك على مافعلت؟ قال: لما سمعتها تستغيث بالله وبالمسلمين لم أتمالك نفسي، ورأيت أنني لا أوفى بديني إذا لم أخلصها، فنظر إليه صاحب السلطة في إمعان وتفرس ثم قال: تركناها الله وإيجابا لحقك.

كان بتاهرت عاصمة الإمامة، فمر بمنزل الإمام عبدالوهاب -

فلا

محيد

وكان على الباب متظلم، والباب مغلق، والمتظلم ينتظر، وقد بدا عليه السأم، فأخذ الشيخ يضرب الباب بالحجارة، ويشتم المدينة ومن فيها حتى خرج الإمام ولحيته تقطر ماء، فاعتذر للشيخ بأنه كان في الحمام، ولما سكن الغضب عن الشيخ قال الإمام: لماذا هذا الغضب كله حتى شتمت أهل المدينة وأنا وأنت منهم، فقال الشيخ الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر: إن لم نعمل بموجب الشرع لنا عنها .. إنه لا يحل لمن يتولى أمر المسلمين أن يتغافل عن شؤونهم، فاذا غفل وجب على المسلمين أن ينبهوه إلى ذلك، فإذا لم يفعلوا، استووا في المعصية. تأمل أيها القاريء الكريم هذه السيرة العطرة: سيرة الرعاة وسيرة الرعية وقد عظمة هذا الإمام الذي يدين له بالطاعة ثلاثة أقطار كبرى، تنبسط اليوم عليها ثلاث دول، فيقف ببابه مؤمن من سائر المؤمنين يقذفه بالحجارة والشتائم لأنه تأخر فلم يفتح بابه دقائق معدودة ليسمع شكوى متظلم، قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة فلا يزيد هذا الإمام العظيم على أن

يعتذر بأنه مشغول بعمل شرعي لا يجوز تأخيره لحظة. وقدر عظمة هذا المؤمن الذي يرد رجلا يريد أن يرفع شكوى. فلم يفتح له باب الأمير فيتضاءل أمام عينه هذا الإمام الذي من مصر إلى مراكش بما له من قوة ومركز لأنه لم يبادر إلى إنصاف المظلوم، وإعطاء الحق لصاحبه، واشتغل عنه بأمر خاص له، ثم يهجم على الباب يكاد يحطمه، وعلى الإمام يسمعه قوارص العذل واللوم.

يمتد

سلطانه

261

260