الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٩٤الإباضية
وقارن أيها القارئ الكريم هذه الحالة بصور مؤلمة تجد فيها الآلاف من الناس تضيع حقوقهم، وهم يتزاحمون على أبواب المصالح، ومداخل الإدارات، ودور القضاء.
لأن هذه الحقوق وضعت في أيدي أقزام مهازيل، ليس له من الخلق أو الدين أو الشهامة ما يحملهم على فصل تلك المشاكل. وإراحة الناس من هذا النصب المتواصل.
يجد
وعندما يجد المسلمون رجالا من الشعب لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يرهبون في الحق سطوة حاكم، وعندما المسلمون حكاما يقدرون المسؤولية التي تحملوها للأمة، ويخضعون لسلطان الحق، ولو تعلق هذا الحق بذواتهم، ويسارعون إلى تصريف الأعمال التي انيطت بهم في أسرع وقت … عندما يجد المسلمون هذا الفرد من الشعب وهذا الفرد من ولاة الأمر؛ حينئذ يعود إلى الأمة المسلمة ما فقدته من عزة، ويحقق الله لهم ما وعدهم به، فيكونون خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله؛ فلا
لغيره حسابا.
رحمه
الله.
يحسبون
وإلى هذه القوة في دين الله، والشدة في حقوق الناس، كان التواضع، سمح النفس كريم الخلق: ولعل قيامه جم بخدمة زملائه أثناء رحلته الطويلة إحدى الشواهد على التواضع وكرم النفس، وسماحة الخلق.
أدب يوماً ثلاثة من الجناة فعضبوا من إقامة الحق عليهم.
فدخلوا عليه منزله ليلا، وضربوه ضربا مبرحا حتى أضعفوه، فلم
، فترك القوم الذين
يطق إتيان المسجد. وتخلف العالم المؤمن لأول مرة عن صلاة الجماعة وهو حاضر في البلد، وعرف المسلمون الذين يعرفون الشيخ أنه لم يحبسه عن المسجد إلا أمر كبير، فزاروه في بيته. وسألوه عن أمره، فأخبرهم بما فعل به وعندما تحدثوا في وجوب معاقبة الجناة عن هذا الجرم الفظيع منعهم من ذلك، وتنازل عن حقه خوفا من أن يكون انتصف لنفسه، اعتدوا عليه في عقر داره فذهبوا طلقاء – ولو أن عدل الله لم يمهلهم - فنالوا جزاءهم على غيريد هذا المسلم القوي في أمر الله، الضعيف في أمر نفسه. وكان إلى هذا الدين القويم والخلق الكريم كثير العبادة، ولعل صلاته في رحلته الطويلة تكون إحدى الشواهد على حبه للعبادة، والاتصال بربه.
يذهب إلى " الجزيرة " وهي قرية على قمة شامخة في الجبل، ضاربة في الهواء معزولة عن بقية الجبل بخندق عميق فيعتزل هنالك للعبادة أياماً طويلة، ومكث مرة بهذه الجزيرة أربعين يوما. وكان لم يأخذ معه زاداً ولا طعاما، فذهبت إليه زوجته لتتفقده، وترى حاله فوجدته مشرق الوجه يترقرق الدم في وجنتيه، وتبدو العافية على مخايله، وعندما وصل وقت الأكل، مال إلى أعشاب الأرض يأكل منها حتى اكتفى فقالت له الزوجة المحبة: أبهذا عشت طول هذه المدة؟ فأجاب الشيخ الزاهد العابد قائلا؟ " نقي قلبك. وافتحى يديك، وأغلقى فاك يجعل لك الله كل عود
طعاما! "
263
262