الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٩٥

الإباضية

إنه أحد أولئك الناس الذين يندر وجودهم في التاريخ لقد عاش حياة حافلة بالعمل الصالح العمل الصالح لنفسه، والعمل الصالح لأمته، والعمل الصالح لدولته، وحسبك أن تعرف أن قسم حياته أربعة أقسام: سنة يقوم فيها بالتجارة ليكسب ما ينفقه من الرزق الحلال في مدى ثلاث سوات، ويزور فيها الإخوان المنتشرين ما بين الغرب ومصر، فقد يذهب بتجارته إلى مصر، وقد يذهب منها إلى الجزائر، وفي هذه الزيارات يغشى المجامع العلمية، ويؤم المساجد، يلقي دروس الوعظ والإرشاد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحارب البدع التي يبثها أدعياء العلم والظلم الذي يرتكبه أصحاب الحكم … ويَقْبَس ويقتبس الهدى والصلاح: ويرتحل في السنة الأخرى إلى غدامس، فيقيم عند أستاذه العلامة ابن درار الغدامسي: يزداد علما ويواصل دراسته بعزيمة لا تعرف الخور أو الضعف، ويقيم. سنة في مشاهد الجبل، منقطعا لعبادة ربه خالصاً لمحاسبة نفسـ مبتعدا عن شئون الدينا والناس: اما في السنة الرابعة فيستعد فيها لزيارة البقاع المقدسة، والاقتباس من روح الإيمان والطهر التي خلقها محمد صلى الله عليه وسلم في منازل الوحي، ومنشأ الإسلام … ولم يخرق هذا النظام الذي وضعه لنفسه منذ وضعه حتى لحق بربه.

،4

لم يبق لنا من حديث على هذا الرجل العظيم إلا إشارة عابرة إلى كفاحه في الميدان العلمي. ورغم هذا الترتيب الي وضعه لحياته، والذي كان يكثر فيه من الغياب: استطاع أن يكون طبقة ممتازة من الطلاب حملوا مشعل الثقافة والمعرفة من بعده، وكان

يشرف الواحد منهم أن يقال فيه: أخذ العلم عن ابن يانس، أما النقطة الثانية وهى مفهومة من سياق الحديث فكفاحه القوي العنيف للانحرافات التي ترد على أيدى المبتدعين كما فعل مع المعتزلة، أو الإنحرافات العملية التي تأتي عن طريق الحكام كما فعل في مصر وتونس والجزائر فهو أحد أولئك العلماء الأعلام، الذين كافحوا الإنحراف عن دين | الله بالطريقتين الوقائية والعلاجية، وإن كانت آثاره في الميدان العلاجي أوفر وأظهر.

265

264