الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٩٧الإباضية
أعد ليتخذ منه الخبز لفطور الصباح، أما عشاء الشيخ فقد بقى في زاوية أخرى من البيت لم يهتد إليها. ورد على ضحكهم قائلا: إني أحمد الله تعالى على ثلاث: أقضي بقليل من النوم غرضي.
يصمد
وأيطعام أسد به جوعتى ولا أخشى مخالفا يدحض حجتى وإنه لمن نافلة القول أن أقص حكاية التاريخ، وأصف للقاريء الكريم موقف هذا الشيخ مع مشاغبي المعتزلة، وطريقته في إلزامهم الحجة، وإبطال مالبسوا به من الشبه، فإن الباطل لا د للحق إلا قليلا على أن مظهر الانتصار أو عدم الانتصار في الجدل لا قيمة له في نظر المؤمن المخلص، إن الانتصار في الجدال مظهر من المظاهر التي يفرح لها طلاب الزهو والفخفخة، أما أصحاب الحقيقة أصحاب الإيمان والعلم، فإنما يسرهم منها نتائجها إذا اهتدى بها قوم فرجعوا إلى الصواب بعد أن تخطفتهم مهاوي الضلال.
أما القيمة الشخصية للرجل فهي في ذلك الثوب الفضفاض من العلم والإيمان والتقوى الذي يلازم المرء في جميع
أحواله.
وأنا كما قلت في بعض الفصول السابقة: إنما يهمني في هذه الحلقات أن أكشف عن الصور الرائعة من سيرة أبطال هذا المذهب الذي حورب من ناس لم يفهموا الإسلام، ولم يعملوا به، من ناس يسهل لديهم أن يصفوا أهل هذا المذهب بأنهم خوارج، كما يسهل لديهم أن يعملوا عمل الخوارج، وفي الحين الذي يعف فيه الإباضية العفة الكاملة يستحل أولئك الناس
أموال المسلمين ودماءهم بالطريقة العملية، فما سنحت لهم فرصة لابتزاز الأموال أو قتل الرجال إلا ارتكبوها، وسواء كانت هذه الدماء أو الأموال لمخالفيهم في المذهب، أو الرأي أو كانت لموافقيهم فيها.
وإنك لتجد آلاف المواقف من هذا النوع، وإن شئت فارجع إلى التاريخ، فسوف تجد إخوة وأبناء إخوة يقتتلون من أجل المال أو السلطان، بل إنك لتجد أبناء يسرقون خزائن آبائهم، أو يقتلونهم، لأنهم يتعجلون الوصول إلى كراسي الحكم، إلى ما أعمال يبرأ منها الإسلام الإسلام الذي يحرم الدماء والأموال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام. كنت أتحدث عن مهدي النُّفوسي الويغوي: هذا الرجل الذي
هنالك
من
اختير ليقوم مقام مائة عالم لجدال المعتزلة. إنه إلى هذه الثقة التي حصل عليها من الأمة، وإلى هذا المقام الذي تبواه في ب إمامه بعد ما عرف علمه وذكاءه وعبقريته، وإلى انتصاره المشهود في مناظرة تكاد تكون حدثاً عالمياً في ذلك الحين. إنه إلى كل ذلك متواضع كريم سأله الإمام بعد أ د أن امتلأ إعجابا برجال الوفد في علمهم وخلقهم وشجاعتهم حتى ظن أنه لا. لهؤلاء الرجال مثال: هل تركتم في الجبل من هو مثلكم، فأجاب العلامة المهدي: تركنا من هو خير منا تركنا أبا عبيدة عبدالحميد الجناوني ..
يوجد
وقد لمس الإمام صدق هذا الرجل وصراحته فيما بعد حين زار جبل نفوسة، وأهمل بعض رفاقه دوابهم فأكلت من زرع الناس.
269
268