الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٩٨الإباضية
فجاءه أبو عبيدة، الشيخ العالم الذي ليس له يد في الحكم. وقابله بقوة الرجل الذي رأى منكراً فصمم على تغييره بقوة المؤمن المعتز بإيمانه، إنه لا يرى في الإمام إلا إنسانا بشرا بسيطا … ارتكب خطأ وجب عليه أن يرجع عنه … أما مهابة الإمام وعظمة السلطان، وحق الضيف، أما تلك الأشياء كلها، فلا
قيمة لها في نظر المؤمن القوي في دين الله … إن الحق أحق أن يتبع … وما الإمام إلا فرد من أفراد الأمة له مالها وعليه فوق ما عليها، عليه عبء المسؤولية الملقاة على عاتقه، ورعاية أمورها. وتفقد شؤونها والسهر على مصالحها ..
وتذكر الإمام العظيم بهذه المناسبة جواب الوفد فقال: صدقوا. لقد تركوا من هو مثلهم أو خير منهم
عاش هذا العالم المؤمن في كفاح مستمر، يحارب البدع التي أخذت تنتشر بحقائق الإيمان، ويناضل السفسطة الكلامية بقوة البرهان، ويكافح الجهل بالتعليم الصحيح والتربية التي وضع أسسها الإسلام …
وهي
مس
وعندما كان الإمام عبد الوهاب يحاصر طرابلس العاصمة تحت حكم الأغالبة بسبب الفواحش التي ارتكبها جندهم. كان مهدي النفوسي الويغوي من خيرة حملة السلاح للدفاع عن الحق … وذات يوم كان هذا العالم ــتغرقاً في مناجاة منفرداً على ساحل البحر، فعبر إليه جند الأغالبة وقتلوه واحتزوا رأسه، ثم وضعوه على السور وهم يتضاحكون ويعبثون!! … رحم الله تلك النفس المؤمنة.
ربه،
أبو الحسن الأبدلاني
أبو الحسن هو العضو الرابع من أعضاء الوفد الذي بعث إلى تاهرت … وثقت فيه الأمة فاختارته ليقوم مقام فقيه لجدال المعتزلة فيما يتعلق بأصول الفقه، وعلم الحلال والحرام. وإنها لمرتبة سامقة، أن يحصل الإنسان على ثقة أمة كاملة،
وأن تختاره هذه الأمة نفسها كي يقوم مقام مائة من الأعلام. الذين يدفعون إلى الميدان، فيرفعون رأية الحق، ويذودون عن دين الله عدوان المبتدعين، وعتاد الباغين، وقد حقق للأمة ثقتها فيه. وقام بالعبء الذي ألقى عليه. قال أبو العباس حين تحدث عن هذا العلامة العملاق. " كان واسطة العقد، وإنسان العين: تعلم العلوم، وعمل بموجبها وتحصن من الشيطان بزهد الدنيا ورفضها ".
لقد تعلم أبو الحسن العلم، كما شهد أبو العباس، وتعلم العلم أمر ميسور لكل طالب. ولكن العمل بموجب العلم هو الميدان الذي تتفاوت فيه الأبطال، وتقاس به معايير الرجال. كان هذا العالم العامل - إلى ما يملك من غزارة المعرفة وانفساح الثقافة، والعزوف عن أمر الدنيا، ومجاهدة النفس .. بطلا من أبطال الميدان يثبت في المعارك ثبات الطود ويناضل العدو نضال من يرى باب الجنة مفتوحاً أمامه ليس بينه وبين
271
270