الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٢٢

الإباضية

ومع أن الحق في هذه القضية واضح جلى، والأستاذ الزاوي نفسه يروى حقائق التاريخ كما وقعت، إلا أنه مع ذلك غير راض، فيزعم أن الإباضية ينزعون إلى الفتنة، ويثير قضية العرب والبربر، هذه القضية العنصرية البعيدة عن روح الإسلام، ولكنه أن يحييها ويتتبعها، ولا ينفك في كل فرصة عن رمى البربر بأنهم أصحاب فتنة، وتدبير مكائد، وقد قدمت في غير هذا الفصل من هذا الكتاب، أن أحياء العنصرية قضية لا يدعو إليها مسلم، فقد حاربها رسول

حرص

الله صلى الله عليه وسلم، ويكفى فيها قوله عليه السلام (دعوها فإنها منتنة)

وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام من العرب. وارتد أقوام بعد الإيمان. كما فعل ذلك أقوام من البربر وغيرهم من الأجناس، ولكن ما فعله أولئك الذين كتب لهم الشقاء، لا يحسب جريرة على أجناسهم أو عناصرهم، والإباضية يحرصون كل الحرص أن يكون الرابط الذي يربط بين صفوفهم إنما هو بدين الله، كما جاء عن محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يكن لديهم أي اعتبار لغير هذه الرابطة، وحسبك أن تعلم أن هذا الإمام الذي بايعوه في ثورتهم على الظلم، ليناهض عدوان المعتدين من عمال بني العباس الظالمين، إنما هو الحارث بن تليد الكندي العربي، فهل هذه الثورة فتنة من البربر؟

التمسك

إن الإباضية لا يعرفون العنصرية، ولكن يعرفون أن أكرم المؤمنين عند الله أتقاهم، وأن أبغضهم إليه أظلمهم وأعصاهم.

يستوي في ذلك العرب والبربر والهنود الحمر والأحباش السود. كلكم لأدم وآدم خلق من تراب. إن مرارة العدوان على أقدس شيء في شريعة الإسلام وهي النفس البشرية، هي التي جعلت الإباضية يثورون، وحق لهم أن يثوروا، وأن يقلبوا نظام الحكم على أولئك الظالمين، فإن حكم الله أحق أن يتبع. وهم عندما يثورون لا يطغون ولا يتجاوزون الحدود التي رسمها لهم حكم الله.

والأستاذ الزاوي على ذلك من الشاهدين، فإن قتل النفس بالنفس هو الحكم الذي نزل به الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولن تجد مهما فتشت في مطاوي التاريخ، وعند غير الخلفاء الراشدين، هذه المواقف المشرفة التي يقفها الإباضية من أعدائهم، حين ينهزم أولئك الأعداء: يخير أمير الجند وقائد المعركة بين البقاء أو الرحيل آمنا موفوراً، وتسلم جميع الأموال والأعراض لأصحابها، لا يمس منها دانق ولا درهم. وتحترم الدماء، فلا تهرق قطرة دم بعد إيقاف القتال، فلا عقوبة، ولا تتبع، ولا مثلة ولا حز رؤوس. قارن هذا الموقف المشرف الذي لن تجده بعد الخلفاء الراشدين إلا عندا الإباضية، قارن هذا الموقف بمواقف أولئك الذين يحاربون الإباضية ويتهجمون عليهم، ويقتلون منهم الأبرياء بغير ذنب، ويهتكون الحرمات، ويستحلون الأموال، ويحزون الرؤوس ليبعثوا بها إلى دمشق أو بغداد … ومع ذلك فإن بعض المؤرخين الذين يعيشون في القرن العشرين، يحلوا لهم أن يقولوا: " ونزع

43

42