الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠٠أبو مرداس مهاصر السدراتي
في
ذلك.
بطل آخر من أولئك الأبطال الذين بلغوا من العلم درجة تتقاصر دونها مدارك الأقران، على أن بلوغ درجة سامقة من العلم غاية يسيرة يستطيع أن يدركها كثير من الناس، بشئ من الجد والمثابرة: ولكن العبر أن يعرف الإنسان حقيقة هذا العلم، وأن يعمل بما تدعو إليه تلك الحقيقة، وأن يكون مخلصاً العمل وفي هذا الميدان متعثر خطا أغلب الفرسان، ولا يصمد إلا القليل ممن ملك زمام نفسه وغلب دواعي شهوته، وأدرك أنه ما خلق إلا ليجتاز هذه الرحلة – مرحلة الحياة - في سلام، ولن يكون السلام إلا لمؤمن يسجيب خالق الإنسان ليمر معه الإنسان في سلامة، فإذا انحرف عنه إلى يمين أو يسار وقع في مهاو ليس لها
قرار.
كان أبو مرداس من العلماء الذين فهموا أسرار شريعة الله واتضح لهم هذا التخطيط الذي وضعته إرادة الله لسلامة البشر، فألزم نفسـ ه السلوك فيه. وقصر أعماله على ما يدعو إليه دين الله فيه يعمل، وبه يترك؛ ثم هو. لا ب لغير الله حساباً.
من
;
يحسد
جند نفسه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان يلطف
عنف ذوي السلطان في استخراج الحق، ويقف لهم دون أن
يصدر منهم باطل. لا يبتعد عن مجالس الحكم خوفا من أن يقع ظلم، وكان أصحاب السلطان يعرفون منه هذا، فكانوا لا يصدرون إلا عن رضاه.
لزم الإمام عبدالوهاب مدة بقائه في ليبيا، وضيق عليه، وكان يحاسبه حساب المؤمن الحريص على دماء المسلمين وأموالهم. ومع ما اشتهر به الإمام عبد الوهاب من العلم والعدل، فقد كان يجد من أبي مرداس ناقداً لا يس كت ولا يلين حتى قال الإمام: " أحفظ أربعة وعشرين وجهاً تحل بها الدماء، ولم يحفظ أبو مرداس إلا أربعة وشدد على فيها ".
وهذه القصة على قصرها تبين لنا أن سلطان المؤمن العالم أقوى من سلطان المؤمن الحاكم، فقد عرف الإمام الحاكم أربعة وعشرين وجهاً تحل بها الدماء، ولكن أبا مرداس لا يعترف بها ولا يقرها، ولا يسمح للإمام بإجراء الأحكام على مقتضاها. ويستسلم الحاكم للعالم، وكثيرا ما يجد منه معارضة عنيفة، حتى في هذه الوجوه التي يعرفها أبو مرداس. قيل له: إن سبعين وجها تحل بها دماء الموحدين فسأل في تحد هي، فعدوا له: أولا وثانياً، وثالثاً، فقال في استنكار: من أين؟! من أين؟؟! ولم يتركهم يتجاوزن الوجه الثالث
ما
إن وظيفة العالم المؤمن في المجتمع المسلم أن يقف بجانب الحاكم ليسدد خطاه، ويوضح له طريق السير، ولا يدع مباحث الفقهاء الفسيحة في وجوه الأحكام تنفلت بس لطة الحاكم إلى سهولة التنفيذ. وهكذا كان أبو مرداس رحمه الله، كان يقف
275
274