الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠١الإباضية
موقف القوي الذي يكبح أوامر الحكام خوفا من أن تجمع بها السلطة، أو يجمح بها العلم. ولعل قارئاً من القراء الكرام يقول: هذه السلطة قد تجمع بصاحبها فتخرج به عن الحق، فكيف يجمح العلم؟
والجواب على هذا التسأول واضح في القصة الماضية لهذين الرجلين، فإن معرفة الإمام لأربعة وعشرين وجها من الوجوه التي تحل بها دماء أهل القبلة، يدل على اتساع في العلم: وإجراء الأحكام على هذه الأربعة والعشرين وجها قد يكون جموحاً من العلم، ولذلك فقد كان أبو مرداس يكبح إرادة الإمام أن يجري أحكامه على جميع الوجوه التي يعرفها. وأبو مرداس نفسه لا يجهل ما يعرفه الإمام من هذه الوجوه ولكنه لا يريد أن تراق دماء المسلمين على التماس الأوجه التي تحل بها الدماء خوفاً من طغيان السلطان على أن هناك فروقاً دقيقة يلحظها المدققون من العلماء، ولذلك فهم يعتبرون تلك الملاحظات كل اعتبار. وأبو مرداس حين يعترف بأن بعض الأوجه التي تحل بها الدماء فهو يعني أن إراقة الدماء لإقامة الحدود التي أمر الله بها، يجب على الإمام أن ينفذها، ولكنه يجب أن لا يلتفت إلى تلك الوجوه التي تحل بها الدماء، وليس فيها إقامة. لمحدود الله، وليس في تركها إخلال بدين الله.
وفي هذا المقام زلت الأقلام وجمح العلم بالحكام، فكانوا يجدون من ضعاف العلماء فتاوي باستحلال الدم، واستغلوا تلك الفتاوي أبشع استغلال، فأضروا بالأمة، وزرعوا فيها الفتنة، وأشعلوا بين أفرادها وطوائفها نار البغضاء.
وإنه ليحق لك أيها القارئ الكريم أن تعجب بخلق الرجلين العظيمين هذا الرجل الذي يشمل سلطانه ربع قارة ثم لا يصدر أمراً إلا برأي العلماء الصالحين، ولا ينفذ حكما إلا إذا ارتضاه خيار المسلمين.
وهذا الرجل العالم الذي يقف في عزة المؤمن ليحمل إمام المسلمين أن يجرى أحكامه على ما يختاره علماء الأمة من أقوال الفقه وقوانين الشريعة، وأن يترك جانبا تلك المباحث الفسيحة في علم قانون الشريعة، التي قد تؤدي به إلى إراقة دم لا تجب إراقته - وأنا حين أسوق كلمة الوجوب في هذا السياق أعني معناها الحرفي - فإن أبا مرداس وأضرابه يريدون من حاكم المسلمين أن يريق الدماء حين تكون إراقة هذه الدماء واجبا شرعيا لا يجوز التهاون فيه. ولكنهم لا يسمحون له بإراقة الدماء حين لا تكون إراقتها إقامة لحد الله، وواجبا من واجبات الشرع، ولو كانت إراقة هذه الدماء مباحة بما ارتكب صاحبها.
نب أبو مرداس الإمام عبدالوهاب سبع سنوات حين إقامته " بميرى " في جبل نفوسه، ولما رجع إلى مركز حكمه في تاهرت، لزم عماله من بعده، فصحب أيوب بن العباس، وأبا عبيدة عبد الحميد، والعباس بن أيوب، وهو في جميع ذلك يقف كصمام الأمان من صاحب السلطة، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويسد خطاه، ويزوده بالنصيحة الصادقة، والحكم الراجح، من
قوانين الشريعة.
277
276