الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠٢الإباضية
وكانت كلمته دائما أقوى من كلمة الحاكم وحكمه، وأنفذ من حكمهم.
ولم يكن هؤلاء الذين ذكرتهم بالضعاف، ولا المهازيل. فتعطغى عليهم شخصيات أخرى: إنهم قمم شامخة من العلم والعمل والقوة في الحق فظهور شخصية هذا الرجل معهم دليل على العبقرية والنبوغ
صحب في أواخر أيامه العامل الحازم القوي العباس بن أيوب، وقد شاخ حينئذ أبو مرداس وهرم، ولكنه لا يفارق الجيش حتى في هذه السن المتأخرة ولا يتردد في عمل الخير وإظهار الحق، ومراعاة المصلحة العامة، وكان الكبر قد أحنى هامته على قصره، فكان
يسير إمام جيوش العباس بن أيوب، وهو يجر سيفه لينطلق إلى الكفاح كفاح المعتدين البغاة من النكار، وعندما ينهزم أولئك المعتدون ويرتفع لواء الحق، يصيح أبو مرداس الذي لا ينسى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي ظرف من ظروف الحياة كأنه هو
قائد الجيش!
قفوا أيها الأبطال … لا تتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح .. ولا تستحلوا مال موحد!
ولكن أحد الجند يجيبه: بل لا نتركهم حتى نخرجهم من حوزتنا. ويعرف أبو مراداس أن في رأي الجندي حقا وحزماء، فيذعن للحق، ويستجيب للحزم
لقد كان العباس في سن أولاد أبي مرداس – لو رزق أولاداً - فكان يجله كثيرا، ويحترمه، ويقف عند رأيه، ولا يقدم على
عمل إلا بمشورته ورضاه. كان أبو مرداس عالما عاملا، ومؤمنا عميق الإيمان، وقويا في دين
الله أمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وكان كريما كرم المؤمنين الذين يعرفون حقيقة الدنيا، ويعرفون أن المال إنما هو مال الله، يأخذ منه صاحبه بقدر الحاجة لينفق باقيه في الوجوه التي بينها الشارع
الحكيم.
ولذلك فهو لا يتأثل مالا، ولا يحتفظ به، ولكنه ينفقه على
الفقراء والمساكين، ولا سيما في سنوات الجدب والجفاف. وقد يبلغ به الحال إلى أن ينفذ منه المال، فلا يستكبر أن ينفق مما يقتات به، سواء كان ذلك من بعض الثمار المجففة كالتين، أو
بما يأخذه من أعشاب من الأرض … وهو إلى هذا الكرم والمطبوع. يعيش في عصره، ويعرف أحوال الناس في وطنه، فكان يبعث بعطاياه وصدقاته إلى من يستحقها من الفقراء، الذين يسترون ماهم عليه، من خصاصة، حتى يحسبهم الناس أغنياء من التعفف، كما كان يعرف ما يتعرض له العمال والخدم من جوع وإهمال، فكان يعترض طرقهم في غدوهم أو رواحهم، فيعطيهم ما أعده لهم من طعام، وكثيراً ما يكون هذا الطعام سويقا، أو بسيسة " أو ما أشبه ذلك من الطعام الجاهز المستعجل، الذي يسهل إعداده! …
وكان أبو مرداس رغم كل ذلك، ورغم ملازمته لولاة أمور المسلمين - يأمرهم وينهاهم - كثير العبادة، موصول القلب بالله: وكان يقول: " لولا أمور الإسلام ما أجاوز هذا الشعب إلى
279
278