الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠٣الإباضية
هذا ".
ومع هذه الحركة الدائبة، والكفاح المتواصل في ميادين القتال، أو مواطن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند مجالس الحكام، ومع تفقد المسلمين ومعرفة أحوالهم، ومعالجة مشاكلهم، ووصلهم بما تقدر عليه يداه، مع كل ذلك، فقد قال المشائخ الذين زاروا الجبل من المشرق: " أبو مرداس يقول: نفسي نفسي كالغزالة، والعباس نعم الفتى وابو زكرياء هو الجبل، والجبل هو أبو زكرياء"
??
فقد عاش ما عاش غاض البصر، لين العريكة، سهل الخلق خفيض الصوت، ما لم تنتهك حرمة من حرم الله فيثور، ويدل لهذا ما قصه المؤرخون: أنه في أواخر أيامه وقد خرج الناس لاستقبال الربيع، ولم يبق أحد بمدينة " تبرست " فرفع بصره يتأمل المدينة ويرى الشوارع الممتدة إلى جميع النواحي، والأبنية المرتفعة الضاربة في الهواء فقال متعجبا: متى حدثت؟ .. كأنما غاب عن المدينة سنوات طوالا، والواقع أن هذه المباني العالم الكبير، قد غاب عن المدينة سنوات طوالا، غيابا جسمياً لا معنوياً، فهو يعرف كل دقيق وجليل من أحوال المدينة وأحوال أهلها، ولكنه في نفس الوقت لا يعرف من شوارعها إلا الشارع الذي يربط بين بيته والمسجد أو الشارع الذي يربط بيته بميدان الكفاح، أي كفاح ومن أي نوع كان ..
ولقد كان دقيقا في محاسبة نفسه على جميع أعماله، فلا يصدر إلا عما يريده منه حكم الله ولا يسمح لنفسه بتجاوز الحق
حين
حتى في بسائط الأمور … استعار يوماً أتانا يركب عليها لبعض شأنه إلى إحدى القرى المجاورة، فمد إليه أحد جيرانه صرة دراهم يطلب منه إيصالها إلى أحد الناس في القرية التي يقصدها. فاعتذر الشيخ عن القيام بهذه المهمة: بأنه. استعار الأتان لم يستأذن صاحبها في حمل شئ آخر عليها، فصاح صاحب الدراهم متعجباً من امتناع الشيخ واعتذاره، فقال الشيخ: " صار العلم عجباً ". وقال له يوماً رجل من أبديلان يا كافر: فقال له الشيخ: " سميتني باسم هربت منه زماناً ". وذهب مرة يحث على بقرة له فمر بقرية " إكراين " والناس مسنتون، قد أحاط وذهب الجفاف بما ادخروه، وأضر بهم الجوع، فلما رأى ما بهم من الحاجة تصدق عليهم بالبذر وذبح البقرة ففرقها عليهم، وفرق الجلد أيضا، لكنه احتفظ بقطعة منه، فلما رجع إلى قريته
بهم
القحط،
بادرت إليه زوجته الصالحة زرزرت تسأله: أين البقرة؟ وأين حرثت؟ … فقال لها: حرثت حرثاً استغني عن المطر، ولا تصيبه آفة؛ ثم أخبرها بما فعل، فقالت له: لم لم تردد علينا من بقرتنا إلا هذا؟ فقال لها: لنا بقرتنا إلا هذا؟
وذهب مرة ليحرث فدانا من فدادينه فجاز عليه رجل من يعرف أخلاق الشيخ، وتغلب عليه الدعابة، فقال للشيخ: إن الفدان لي فاخرج منه، فخرج الشيخ وترك الفدان، فأدركه الرجل ببعض الطريق، وقال له: إن البقرة التي تقودها بقرتي فاتركها لي فتركها ورجع إلى البيت دون حرث أو بقرة، فلما كان عند مدخل البيت أدركه الرجل وقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ إن هذا المنزل
281
280