الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٠٤

الإباضية

منزلي فصاح الشيخ بزوجته قائلا: ناوليني سلاحي يازرزرت! فقال الرجل: إنما أنا أمزح وليس لي في الفدان ولا في البقرة حق. فخذ بقرتك، وارجع إلى فدانك، فقال الشيخ: ما بعثك الله إلا وقد علم في الفدان والبقرة شيئا فتركها ورفع يده عنها منذ ذلك اليوم.

وبمثل هذا الخلق السمح الكريم. وهذا الدين العفيف القويم. وصل أبو مرداس واضرا به إلى ما وصلوا إليه من الرتب العالية؛ ورتب الحقيقة الخالدة. لا رتب الدنيا الفانية.

ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بما ورد في السير: " أن مشائخ نفوسة يقبلون على الإمام، فيجلسون إليه حين كان بالجبل، فإذا قدم أبو مرداس قام إليه - وكان قصيرا – فقال رجل من أهل المشرق لم يعظم الإمام هذا؟ فقال حين سمعهم، كيف لا أجل من تجله الملائكة ".

أما أبو الربيع فقد قال حين تحدث عنه: " أبو مرداس رجل حازم. ممارس للأمور، ورع نبيه، وجيه، حاذق، عاقل فطن، مجتهد رحيم بالضعفاء، شديد على الفجار، ذليل على المؤمنين: لا تأخذه في الله لومة لائم، يؤثر الحق والصدق ".

أبو زكريا التوكيتي

شخصية من الشخصيات التي تجمع صفات العظمة. فتفرض محبتها واحترامها علي الجميع. بلغ مرتبة لم يبلغها صاحب جاه بالسلطة، أو صاحب معرفة بالعلم، أو صاحب كرم بالإنفاق، أو صاحب زهد بالعبادة، أو صاحب شجاعة بالإقدام، إن هذه الصفات جميعا ولا شك عظيمة، ولكنها لا تغني شيئا إذا أعوزتها روح قوية، ذكية عميقة؛ لتكسو صاحب هذه الصفات ثوب العظمة، الذي يحترمه الناس ويحبونه، مجبرين بقوة الشخصية.

=

وكان أبو زكرياء التوكيتي يملك هذه الروح القوية فوق هذه الصفات الكريمة، فجعل منه ذلك رجلا منفردا بالعظمة والمهابة والحب في بلد مفعم بالعظماء والأعلام. طلب الناس إلى الإمام: أن يولي عليهم أبا عبيدة عبد الحميد، فاعتذر بالضعف، فبعث الإمام بقطع عذره، ويسد السبل أمام تهربه، فقال: إن كان ضعيف البدن فإن الله يقويه إذا تولى أمور المسلمين، وإن كان ضعيف المال ففي بيت المال ما يسعه ويسع

غيره، وإن كان ضعيفا في العلم فعليه بأبي زكرياء التوكيتي. ووفد من أهل المشرق وفد يزور الإخوان، ويتفقد أحوال الناس، فزار الجبل وزار بقية المملكة الليبية، ومر بالجنوب التونسي، ثم زار

283

282