الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٠٥

الإباضية

تاهرت مركز الإمامة، ولما سئل عن رأيه في جبل نفوسه قال: " الجبل هو أبو زكريا وأبو زكرياء هو الجبل، وأما أبو مرداس فَكَالْغَزَالة: نفسي، نفسي. وأما العباس ففتى مقرعي. " – أي صاحب نجدة وشدة. واختار الوفد من تاهرت الإمام ووزيره مزور بن عمران. لقد كان مقام أبي زكريا أرفع من المنصب، وأعظم من أي صفة يتصف بها رجل لو عمل بعمله، ولذلك لم يجد هذا الوفد المتشدد في اختيار الرجال إلا أن يصفه بأنه. هو الجبل، وأن الجبل هو أبو زكرياء … إنه مقام لم يبلغه أبو مرداس على ما عرفت من علمه وعمله، ولم يبلغه أبو العباس على ما عرفت من شدته وقوته، ولم يبلغه الإمام ولا وزيره على ما اشتهر من علمهما وفضلهما، لقد اختار الوفد هذه الشخصيات اختيارا عاديا، اما اختياره لأبي زكرياء فقد كان بأسلوب فريد. لقد جعلوه أمة كاملة، أو في مقام أمة كاملة.

ويبدوا أن الوفد لو لم يجد في الجبل غير أبي زكرياء لذهب راضيا، وذكر للناس أن الجبل عامر آهل بأهل العلم والفضل والدين والصلاح.

ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بما قاله البدر الشماخي: "وشهرة أبي زكريا وعلمه وورعه مما لا يخفى على الحفاظ: وكفاك أنه في زمن امتلأ فيه جبل نفوسه علما وعملا وعدلا، فأختير من جميعهم حتى قيل: " أبو زكرياء هو الجبل. والجبل هو أبو زكرياء. "

أبو مُهَاصر الأفاطماني

في هذه القرية التي تنبسط فوق جبال الرحيبات الغربية نشأ أبو مهاصر موسى بن جفعر: شخصية من الشخصيات التي تجمع بين العلم والكرم والزهد والتدبير. يعيش كما يعيش المؤمنون الصالحون موزع الوقت بين العلم والعبادة والعمل، لين العريكة سهل الخلق، لطيف المعشر محباً للمؤمنين عطوفا على الضعاف من جميع المخلوقات تغلب عليه الإنسانية في أنبل معانيها، فيشفق على صغار الحيوان كما يشفق على بني الإنسان.

يجمع الطرف من ماله فيوزعها على الصبيان، فإذا كانت هذه الطرف مما يؤكل وكان عند أحدهم قطة أو جروة، أعطاها نصيبها ولم يحرمها، وعندما يعود من الصحراء ومعه طرف الصحراء من لبن وزبد وسمن وجبن وغيرها، يقسمها على الجيران فيعطي ليهودي مثل ما يعطى لغيره من الجيران، مراعيا في ذلك جانب الإنسانية، وممتثلا قولهصلى الله عليه وسلم: " في كل ذي كبد رطبة أجر ".

وقد قيل له في ذلك فأجاب بما أجاب به صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن مسعود t : " إن الله خلق الرأفة وأسكنها قلوب المؤمنين وخلق القسوة والجفوة وأسكنها قلوب

285

284