الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠٦الكافرين. "
الإباضية
مر ذات يوم على أهل قبيلة يعرفون رقة قلبه وعطفه وشفقته على الضعيف، وإحسانه للخلق، وكان راكبا أتانه التي
يس
حج عليها غير مرة، ومن ورائه جحش لها صغير يتبعها، فقالوا ليتيم بينهم لو طلبت الجحش من الشيخ لأعطاه إياك فتقدم الطفل إلى الشيخ وطلب منه أن يعطيه الجحش الصغير، ولم تطع الشيخ أن يرد رجاء الطفل، فأعطاه الجحش، ولكن الأتان جعلت تمتنع عن السير، وجعل الجحش المفصول ينهق كأنه يصيح مستنكرا هذا الظلم الذي يفصله فيه إنسان عن أمه، وحار الشيخ في الموقف، وبعد تفكير عرف الحل الصحيح للمشكلة، فاستدعى إليه وكيل اليتيم واشترى منه الجحش بدينارين، وهكذا ظفر اليتيم بدينارين، وظفر الجحش بأمه.
مر به قوم غرباء واشتكوا إليه بعد المسافة ومشقة المرض وانقطاع الظهر، فأعطاهم بغلا له يحملون عليه زادهم، ويركبه مرضاهم، فقالوا له: أين نرده؟ فقال لهم: يوم اللقاء وصادف أن أخا للشيخ كان ببعض بلاد الجنوب التونسي، فالتقى بهؤلاء الركب وعرف البغل، فاستمسك به، فقالوا له: إن رجلا يقال له أبو مهاصر أعطانا إياه، فقال لهم: وكيف ذلك؟ قالوا: شكونا إليه قلة الظهر فأعطاناه، وقال: آخذه يوما اللقاء فقال الأخ الذكي: صدقتم، هذا كلام أخي. وتركهم.
ومع هذا اللين، وهذه الدماثة، وهذا الخلق السمح، كان لا يسكت عن منكر.
باع وكيل يتيم زيتونة اليتيم بأربعة دنانير لرجل محاباة له، فبلغه الخبر، فأنكر ذلك وأبطله، وحفظ غلة اليتيم، وأنفق عليه كامل السنة. ومر على بستان تين، فوجده قد أسقط ثماره لقلة المطر وشدة الحر، فسأل عن صاحبه، فلما عرفه قال له لماذا لا تجني ثمار بستانك؟ فقال الرجل: لا حاجة لي به .. فقال الشيخ أتأذن لي في أخذه؟ فأذن له الرجل، فجناه الشيخ وحفظه في مكان، وأسنت الناس بعد ذلك، فطال الجفاف وامتد القحط، وعظم الجدب، فكان الناس يلتمسون أي نوع من الطعام فلا يجدونه، وجاء الرجل إلى الشيخ يلتمس منه شيئا من الطعام، فقال الشيخ: ليس لي إلا تين ردئ لا يصلح للأكل، فرضى به الرجل وباع له البستان بذلك التين الردئ وتغير الحال، وهطلت الأمطار، وأمرع الناس، ومر الرجل على بستانه متحسرا وقد اخضر واينعت ثماره فجاء إلى الشيخ يقول: إن بستانك الذي اشتريته مني نضجت ثماره فقال الشيخ له: اجن بستانك فأنا لم أشتره منك لأملكه دونك، وإنما أعطيتك ما فرطت فيه من ثمارك، عساك لا تعود إلى إهمال ما رزقك الله من نعمة، ولا تحتقر الضئيل منها. كان أبو مهاصر مؤمناً يأخذ نفسه بالشدة والعزيمة في العبادة. خرج مرة في زمن الربيع إلى البادية، وكان معه عمروس المساكني. فلبثوا أياماً على غير ماء فكانوا يتيممون وتكدرت نفس أبي مهاصر من هذه الحال، فقال يحادث عمروسا: " قلوب يربو عليها الشحم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت سلامة الدين مع أهل الوبر إنما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا
للصلاة
287
286