الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠٨الإباضية
المثل الحق للمسلم الحق الذي يعرف دين الله، فيقف عند حدوده. ويوضح للسالكين المنهج الواضح الذي شرعه الإسلام للفرد والمجتمع والدولة، ويبينون لأولئك القادة المنحرفين، المسلك للقائد المسلم، الذي يحفظ دين الله، ويذود عن كرامة
الصحيح
الأمة.
ولو لم يكن لفزان في ذلك العصر إلا العلامة الزاهد عبد الخالق الفزاني، لكفى ذلك القطر الفسيح شرفاً ومجداً كان أبو مرداس كما أسلفت في بعض الأحاديث السابقة واسع الاطلاع، غزير المادة. موصول العبادة، فكان يتحدث في مجالسه بنعمة الله فيقول: لا أعرف إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني، وإنما أعرفه بكتبه.
الله جناح
إنه لم تتح فرصة اللقاء للعالمين العظيمين، ولكن الكتابة بينهما كانت كافية ليعرف كل واحد منهما عظمة الثاني … كتب أبو مرادس إلى عبد الخالق يسأله عن دواء مرض ألم به، ويسأله أن يدعو الله أن يغني أهل الجبل بغيث عميم فأجابه الذي يرى الدنيا كلها لا تساوي عند ا العالم الزاه بعوضة: " إن مثلك يا أبا مرداس يسأل ع عن دواء الذنوب "؟!! وأجابه عن المطلب الثاني بقوله تعالى:] وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ [فقال أَبو مرداس لقد جعلني هذا الفزاني أعض الأصابع ندماً إلى الموت. هذا الفزاني الذي استطاع أن يبلغ إلى ذروة العلم والتقوى وهو بين الرمال، مقطوع الصلة بالعمران، والذي استطاع أن
يؤلف مجموعة من الكتب لها قيمتها في فزوع العلم وأصوله هذا العالم الفزاني الذي استطاع أن يجعل أبا مرداس يعض بنان الندم طول الحياة كتب إلى عمروس بن فتح: أن يبعث إليه بكتابه في علم الكلام، ولما اطلع على الكتاب ودرسه العالم الفاهم، قال في اعتراف المؤمن الصادق الصريح مع نفس ه ومع الناس: " النفوسي أقوى مني ". وهكذا يعترف أبو مرداس بما للفزاني من علم، ويعترف الفزاني بما لعمروس من العلم، وعندما يضم المجلس عمروسا وأبا مرداس في مجلس القضاء أو الفتوى يتشدد أبو مرداس خوف الترخيص،
وينتهز عمروساً حين يعتقد أنه يتساهل في بعض الأحكام. إنها سيرة عطرة لمؤمنين صرحاء مع أنفسهم، ومع الناس. كان في مختلف بلدان فزان عدد من العلماء الأعلام كالعلامة
عبد القهار ابن خلف، وإدريس الفزاني، وأبي الحسن جناو بن
دين
ن وعبد الحميد الفزاني وغيرهم، وقد كافح هؤلاء العلماء الله وأضرابهم الجهل والبدعة والانحراف وحافظوا على نقياً، كما جاء عن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخونه التضييع ولم تزد عليه الخرافة والبدعة.
ولعل مما يحسن إيراده في هذا المقام، ماورد عن أبي نصر زار التفستنى: "الكلام كله لغو إلا مسـ الة في الخير، واستعاذة من الشر، وقراءة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحمد الله ولا اله إلا الله والله أكبر". وطبيعي أن أبا نصر لا يقصد الحصر الحقيقي، وإنما يقصد أن
291
290