الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٠٩الإباضية
الكلام الذي يلتحق بالعبادة، ويكون عليه أجر، لا يخرج عن هذه الوجوه، فهو إما تلاوة لكتاب الله، أو ذكر الله، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، وما بقى من أحاديث الناس لمصالحهم الدنيوية فهي أحاديث لا أجر عليها، ولذلك فهي في مكان اللغو، أي كأنها لم تصدر عن صاحبها، هذا إذا لم تكن عكس الأغراض السابقة وإلا أد أصبحت سببا للإثم … وأبو نصر على رحابة علمه وسعة خلقه، كثير العبادة، موصول العمل ورد عليه أبو سهل البشر بن محمد يطلب العلم، ولما حضر المجلس سمع أبا نصر يقول في درس من دروس الوعظ: " لن ينجو من علماء آخر الزمان إلا قدر ما يسلم من المصابيح التي رفعت من بيت إلى بيت في يوم ريح"فلما أصبح أتى أبو سهل إلى الشيخ للوداع، فسأله الشيخ عن السبب. فقال: سمعتك وما ذكرت من قلة من ينجو من العلماء … قال أبو نصر إذا كان هذا شأن العلماء فكيف بنجاة غيرهم؟ وأقتنع طالبه بضرورة الجد في طلب العلم، والحرص على العمل بمقتضى ذلك العلم، فكان عند رغبة أستاذه، وأصبح من فطاحل العلماء، وعندما حضرت الوفاة أبا نصر أخذ يبكي … قيل: ما يبكيك؟ قال: خوفا من الفتيا، قلت: دار من دور نفوسه
لم تدخلها فتواي
وكان أبو الحسن المديوني يستخبر عن الطلاب الأذكياء النجباء، فيستدعيهم إليه ليدرسوا عنه، ويغترفوا من نبعه الصافي، وفي أواخر أيامه الله رحمه بعث إلى العلامة عبدالقهار
بن
خلف يستقدمه ليتلقي عنه علما ربما لا يحسن غيره فهمه ومما قاله في رسالته إليه: " وأحب تعجيل ذلك، لأني على آخر أيامى، واقتراب أجلي ".
وهكذا يحرص رحمه الله أن لا يأخذ علمه معه، إنه يريد أن يترك هذا القبس تستضئ به الأجيال.
293
292